Skip to main content
 انتصار النجّار مع المحصول
القائمة
تحديثات من الميدان
المواضيع

يوم المرأة 2020: منطقة حرب وأحلام الحصاد

إنّها امرأة في الـ53 من عمرها ولها من الأبناء 11. حكاية انتصار النجّار، مزارعة من بلدة جباليا في قطاع غزة أغرب من الخيال: لقد أعاثت إسرائيل خرابًا في أرضها مرارًا وتكرارًا ولكنّ انتصار مرارًا وتكرارًا عادت وزرعت وغرست وسقت وقطفت وقدّمت. زوجها يعاني أمراضًا مزمنة صعبة، إضافة إلى أنّه مقيّد الحركة منذ أصابته قذيفة إسرائيليّة في عام 2008 ولا يقدر على العمل. وماذا عن انتصار؟ إنّها تركض بين أرضها تفلحها ومطبخها تعدّ فيه المفتول لكي تبيعه. في 22.1.20 أدلت انتصار بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد محدّثة عن حياتها وعن المصاعب التي تواجهها.

انتصار النجّار في أرضها

بدأت العمل في الزراعة قبل زواجي لأنّ هذه مهنة متوارثة في أسرتنا: منذ كنت طفلة في الـ9 كنت أساعد والدي في فلاحة أرضنا الواقعة شرقيّ جباليا على بُعد كيلومتر واحد من الشريط الحدودي.

في سنّ الـ15 تزوّجت ابن عمّي. كان يعمل في البناء في إسرائيل. هو يعاني أمراضًا مزمنة في المفاصل ويعاني من الاكتئاب، ولذلك منذ عام 1990 قرّرت أن أعود للعمل في الأرض التي ورثتها عن والدي بعد وفاته. كنت في ذلك الحين أمًّا لأربعة أطفال صغار - حسن وحسين ورشاد ومريم. كانوا يأتون معي إلى الأرض ويشاهدونني أقوم بكلّ شيء بنفسي: أحرث وأزرع وأغرس وأسقي وأسمّد وأرشّ المزروعات. كنت أزرع بين أشجار الزيتون واللّيمون بامية وملوخيّة وفول وفاصولياء.

بعد أربع سنوات توقّف زوجي عن العمل في إسرائيل وتدهور وضعنا الاقتصادي كثيرًا. كانت مشاكله الصحّية قد تفاقمت بحيث أصبح شبه مشلول لكنّه بعد أن تلقّى العلاج في مصر أصبح قادرًا على المشي. كنت المعيلة الأساسيّة لأسرة مؤلّفة من 13 نفرًا.

في عام 2004 أتلف الإسرائيليّون مزروعاتي كلّها وهدموا بئر المياه واقتلعوا كلّ ما في الأرض. كانت هذه بالنسبة لي فاجعة كبرى لأنهم بذلك محوا مصدر معيشتنا عن وجه الأرض.

حين رأيت أنّه لا يمكنني الوصول إلى أرضي قرّرت البدء في إعداد المفتول وبيعه للحوانيت في غزة. كنت أربح فقط 400 شيكل في الشهر ولكن لم يكن لديّ خيار آخر فأنا مجبرة على العمل وإعالة أسرتي.

مع المحصول

مرّت ستّة أشهر إلى أن تمكّنت من العودة إلى أرضي! لم أصدّق أنّ هذا يحدث حقًّا. في طريقي إلى الأرض كدت أطير لكثرة ما كنت سعيدة. في الطريق التقيت راعي أغنام يعرفني. قال لي: "لقد تهتِ عن أرضك" وأرشدني إليها. عرفتها بعد ذلك من أشجار موز كنت قد زرعتها قبل أن يخرّب الجيش كلّ شيء. وجدت الأرض صحراء قاحلة وبالكاد تعرّفت عليها.

لم أتمكّن من العودة إلى زراعة أرضي لأنّني لم أملك المال اللّازم لاستصلاحها. تركتها طيلة خمسة أشهر وحين تجنّد الصّليب الأحمر للمساعدة في إعادة إعمار الأراضي بواسطة جرّافاته زرعت بعض المحاصيل الشتويّة. لا أستطيع زراعة محاصيل صيفيّة لأنّه لم تبق آبار للريّ إذ هدم الجيش جميع الآبار في المنطقة. عدت للعمل في الأرض وأيضًا واصلت في البيت إعداد المفتول وبيعه.

في العام 2008 وخلال الحرب، أصيب زوجي جرّاء قذيفة سقطت قرب المنزل وما زال يعاني عجزًا عامًّا إلى اليوم نتيجة صمم جزئيّ وشظايا في جسمه وفي العمود الفقريّ. منذ ذلك الحين هو لا يعمل بتاتًا ولا يستطيع حتى مساعدتي في الحقل حيث يقضي اليوم كلّه في البيت.

مع كلّ اجتياح إسرائيلي وفي كلّ حرب تتلف أرضي ومعها جميع الأشجار والأشتال بعد أن صرفت عليها الكثير من المال والجُهد. لم أحظ بالتمتّع بجنى أرضي ولو مرّة واحدة: كلّما قلت ها قد اقترب موسم القطاف تأتي الجرّافات وتزيل كلّ شيء وفي كلّ مرّة يتجدّد حزني ومعاناتي.

في الأرض

في السّنوات الأخيرة يعيش المزارعون في فقر مدقع. أنا مدينة بمبالغ كبيرة للتجّار لأنّ مكسبي من العمل في الأرض قليل جدًّا فالجيش الإسرائيلي يطلق نحونا الرّصاص والغاز المسيل للدّموع وفوق ذلك يرشّ أراضينا بالمبيدات ويُتلف محاصيلنا ممّا يسبّب لنا خسائر كبيرة. وعندما تهاجم الأمراض الزّرع نقف حيالها دون حلول لأنّ إسرائيل تمنع إدخال موادّ معالجة أمراض النبات إلى القطاع.

ولكن رغم كلّ شيء أنا لا أستسلم ولا أيأس: القصف الجوّي المتكرّر دمّر المزروعات ولكن خلال فترة الهدنة استصلحت الأرض وزرعت وغرست من جديد الفول والبطاطا وخضار أخرى. جزء منها لاستهلاك الأسرة والبقيّة أبيعها في السّوق؛ وكذلك غرست أشجار الحمضيات والزيتون وبنيت بئر ماء جديد بالتعاون مع مزارعين أراضيهم مجاورة لأرضي. أنا أخرج للعمل في الأرض كلّ يوم في الـ6:00 صباحًا وأبقى حتى المساء بل أبيت هناك أحيانًا لكي أنجز ما تبقّى عليّ من مهمّات - أبيت في "بركس" شيّدته من ألواح الصّفيح. حتّى عندما يسود الهدوء لفترة من الزّمن وينمو محصول ما جيّدًا، أظلّ متشكّكة وخائفة - لأنّه في غزة لا تعرف ما يخبّئه لك الغد.