عقاب جماعيّ على نطاق واسع: منذ تشرين الأوّل عام 2015، هدمت السلطات منازل 149 شخصًا من دون ارتكاب ذنب، ومئات آخرون يعيشون تحت تهديد الهدم

عقاب جماعيّ على نطاق واسع: منذ تشرين الأوّل عام 2015، هدمت السلطات منازل 149 شخصًا من دون ارتكاب ذنب، ومئات آخرون يعيشون تحت تهديد الهدم

تم النشر في: 
21.4.16

منذ شهر تشرين الأول عام 2015، زادت إسرائيل استخدامها لهدم المنازل كوسيلة لمعاقبة أفراد عائلات الفلسطينيين الذين نفذوا أو الذين اشتبه بتورطهم في عملية، وهدمت أو أغلقت 37 شقة جزئيا أو كاملا. 14 منها لم تصدر ضدها أوامر هدم وقد تضررت بسبب مجاورتها للشقق المستهدفة في الهدم. ونتيجة لأعمال الهدم والإغلاق واسعة النطاق فقد 149 شخصا، 65 منهم قاصرون منازلهم. صدرت أوامر الهدم أو الإغلاق لأربعة من هذه المباني قبل تشرين الأوّل عام 2015. في هذه الأيام، عشر عائلات أخرى تنتظر قرار محكمة العدل العليا في الالتماسات التي قدمتها ضد هدم أو إغلاق منازلها، وسيتم هدم منزل عائلة أخرى بعد أن رفضت المحكمة الالتماس. خلال هذه الفترة، ألغت محكمة العدل العليا ستة أوامر هدم. إجمالي عدد الشقق التي أصدرت السلطات أوامر هدم وإغلاق ضدّها أو قامت بهدمها بالاعتماد على أوامر هدم قديمة، منذ شهر تشرين الأول 2015، هو 53.

بيت عائلة حلبي في قرية سردا٬ قبل الهدم وبعده. تصوير: اياد حداد. بتسيلم.
بيت عائلة حلبي في قرية سردا٬ قبل الهدم وبعده. تصوير: اياد حداد. بتسيلم.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أجرى الجيش منذ شهر كانون الأول عام 2015 قياسات ومسحا ل 66 شقة إضافية لعائلات اشتبه بقيام أبنائهم بتنفيذ عملية أو تورّطوا في ذلك. تنفّذ قوات الأمن القياسات والمسح بشكل تلقائي تقريبًا في كل حالة عملية، في اغلب الأحيان يكون ذلك في وقت متأخر من الليل، من يوم الحدث. بسبب هذه القياسات يعيش 339 شخصا، بينهم 138 قاصرا، تحت تهديد هدم منازلهم.

يجري القياس والمسح التلقائيّان للمنازل تقريبا بعد كل عملية، بغض النظر عن نتائجها، على الرغم من حقيقة أنه منذ تشرين الأول 2015 تم هدم المنازل فقط في الحالات التي قتل فيها منفّذو العمليات مدنيين أو رجالاً من قوات الأمن. باستثناء حالة واحدة في تشرين الأول عام 2015 عندما اغلقت اسرائيل جزئيا شقة معتز حجازي بناء على أمر هدم صدر في تشرين الثاني عام 2014، في أعقاب إطلاقه نار على "يهودا غليك".

هذه السياسة الفوريّة لقياس منازل العائلات تخلّف مئات من البشر في حالة من عدم اليقين والخوف، والتي تتواصل في بعض الحالات لعدة أشهر، مع غياب عنوان للتوجّه إليه.

عذاب حسيب، البالغة من العمر 27 عاما، وهي أم لثلاثة أطفال من سكان رام الله، قدّمت إفادة في تاريخ 29/3/2016 لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حداد عن حياتهم منذ أن نفّذ زوجها العمليّة. لقد حاول الزوج، شادي حسيب، دهس أشخاص ينتظرون عند محطة توصيلات في "كفار أدوميم" في تاريخ -22/11/2015 . بعدها، وفق أقوال الناطق بلسان الشرطة، خرج من سيارته وأصاب وجرح أحدهم إصابة طفيفة. قُتل حسيب برصاص مواطن إسرائيلي. وقالت حسيب:

لديّ ثلاثة أطفال، الابنة الكبرى تبلغ من العمر ثمانية أعوام والصّغير يبلغ من العمر عامان. في تاريخ 28/11/2015، في ساعات الصباح الباكر، داهم الجنود منزلنا. أمي كانت معي ومع الأطفال في البيت. حبسونا في غرفة في الوقت الّذي أجروا فيه عملية تفتيش وقياس في الشقة.

منذ ذلك وصل الجنود إلى منزلنا ثلاث أو أربع مرات، في كل مرة سألوا عن شقيق زوجي، جهاد حسيب، وتركوا له استدعاء لمقابلتهم. أنا خائفة وقلقة جدا. في كل مرة داهموا فيها المنزل ظنتت أنهم قادمون لهدمه أو إغلاقه، وكنت في غاية القلق على الأطفال. أين سأذهب معهم، لمن سنتوجّه، أين سنعيش؟ مالكو الشقق يخشون عادةً من تأجير ملكهم لأسر منفّذي عمليات. عائلتي أساسًا من مدينة جنين، وليس لي واحد هنا. زوجي، الذي ينحدر من قرية عارورة قرب رام الله، تيتّم في سنّ صغيرة. لم تكن لديه عائلة باستثناء أخوال من طرف والدته.

אם, إذاهدموا شقتنا، لا سمح الله- لا أدري كيف سأعثر على شقة للايجار. من سيوافق على استقبالنا؟ أنا لوحدي ولا أعرف أحدًا. بالإضافة إلى ذلك، شقتي ايجارها منخفض، 500 شيكل، وفقا للأسعار القديمة. لكن اليوم، الحد الأدنى للإيجار هو 1000 شيكل، وأنا لا أستطيع دفعها. بالكاد أوفّر الطعام لأطفالي.

لا يوجد ما أحسَد عليه في حياتي. أنا في حالة توتر نفسيّ صعب. في الأيام الأولى بعد القياس لم أنم، وطوال الوقت كنت أفكر: ها هو الجيش قادم، ها هم يهدمون المنزل. كل صوت كان يوقظني، صوت عصفور، حيوان. أنا ما زلت مصدومة وأشعر بعدم الاستقرار. قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع مثلا قرأت في الانترنت بأن الجيش سوف يداهم منطقتنا، وبدأت أخشى أن يكون الهدف من وراء لك هو هدم منزلنا.

أخشى أن يضرّ هذا الوضع يضر بنفسيّة أطفالي، ويؤدّي بهم إلى الرغبة في الانتقام لمقتل والدهم، أن يفعلوا شيئًا سيئا مستقبلاً، عندما يكبرون. لا أريد أن أفقدهم كما فقدت والدهم; أدعو الله دائمًا أن يحفظهم ويبقيهم سالمين وآمنين.

سياسة العقاب الجماعي من قبل السلطات الإسرائيلية لا تضرّ فقط بأفراد العائلات الذين يعيشون في منازل تمّ قياسها، وإنما أيضًا بجيرانهم، الّذين يُضطرّون للعيش في عدم اليقين، خوفا من وقوع ضرر لشققهم أثناء عملية الهدم. 14 شقة من بين الشقق ال 37 التي تمّ هدمها أو إغلاقها منذ تشرين الأول عام 2015 لم تكن مستهدفة للهدم من قبل السلطات، وأصبحت غير صالحة للسكن بسبب الأضرار التي ألحقها هدم الشقق المجاورة.

سياسة هدم المنازل غير قانونية وغير أخلاقية. رسميا، تدعي إسرائيل أنها وسيلة للردع وليست عقابًا، ولكن - ودون الخوض في سلامة هذا الادعاء – لا يجوز للدولة استخدام الناس الأبرياء من أجل ردع الآخرين. وعلى الرغم من قبول هذا المبدأ على غالبية الحقوقيّين في العالم وحتى في إسرائيل، لكن قضاة محكمة العدل العليا صادقوا على أوامر الهدم بشكل روتيني على مر السنين، والتي أصدرتها السلطات وأجازت هدم مئات المنازل.

في الأشهر الأخيرة، في أعقاب الالتماسات المتكررة المقدمة عبر مركز الدفاع عن الفرد، أعرب بعض القضاة عن تحفّظهم من استخدام هذه الوسيلة، على الرغم من أن بعضهم واصل المصادقة على الهدم. مؤخرا أمر بعض القضاة بإلغاء أربعة أوامر هدم، إلى جانب المصادقة على أربعة أوامر أخرى. منذ تشرين الأول عام 2015 ألغت محكمة العدل العليا ستة أوامر، وصادقت على 20.

انقاض بيت عائلة ميسوادي في الخليل. تصوير: نصر نواجعة٬ بتسيلم٬ 31/3/2016.
انقاض بيت عائلة ميسوادي في الخليل. تصوير: نصر نواجعة٬ بتسيلم٬ 31/3/2016.

على الرغم من أن بعض القضاة طالبوا بإعادة النظر في القاعدة التي تمّ تحديدها في المسألة، إلا أن رئيسة المحكمة العليا رفضت طلبًا قدّمه مركز الدفاع عن الفرد لإجراء المزيد من النقاش حول هذا الموضوع. هكذا، تواصل محكمة العدل العليا تقديم الدعم القانوني لسياسة العقاب الجماعي من قبل إسرائيل. تمّ تقديم طلب آخر لنقاش موسّع، لم يُحدد بعد، في الأسبوع الماضي للمحكمة.

نعمة رداد، تبلغ من العمر 54 عامًا، من سكان قرية صيدا في محافظة طول كرم. בفي تاريخ 3/12/2015 قام ابنها عز الدين رداد البالغ من العمر 21 عامًا، بطعن شرطيّ بالقرب من البلدة القديمة في القدس وأصابه، ثمّ قُتل على يد عناصر الشرطة. روت لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي عن الرعب الذي تعيشه منذ أن وصل الجنود إلى منزلها وقاموا بقياسه:

نعمة رداد. تصوير: سلمى الدبعي. بتسيلم.""منزلنا مكوّن من طابقين، الطابق الأول يضم مخازن ونحن نقيم في الطابق الثاني. بنينا المنزل قبل ثلاثين عاما، طوبة طوبة. حتى ذلك الحين أقمنا في غرفة واحدة عند أهل زوجي، حيث كان لدينا ستة أطفال. عندما انتقلنا إلى منزلنا لم يكن يحتوي على شبابيك أو أبواب داخليّة. لم يكن هناك سوى الباب الرئيسي. ركّبنا الشبابيك واحدا تلو الآخر. كل مرة في غرفة واحدة، عندما كنا قادرين على توفير ما يكفي من المال. إلى أن ركّبنا جميع الشبابيك عانينا من البعوض، والعقارب والزواحف التي دخلت المنزل. لم نكن أنا وزوجي في صحّتنا، وكان عاطلا عن العمل لمدة ست سنوات. استثمرنا كلّ حياتنا في بناء المنزل، وفي لحظة واحدة سيقومون بهدمه.

فقدنا ابنًا حبيبًا، والآن نعيش تحت تهديد هدمهم المنزل. لم نرسل ابننا للموت، ولم نكن لنوافق على فعلته. منذ أن قُتل وأنا أتوقع يوميًا قدوم الجنود وتنفيذ الهدم. بالأمس سمعت صوت إطلاق نار واستيقظت وأنا أرتعش بكاملي، وعندها فقط أدركت أنه كان حلما. ليست هذه هي المرة الأولى التي أحلم بأن الجنود يداهمون منزلنا، ويطلقون النار، ويهدمونه. وأنا أبكي كثيرا، في المنام. إذا اتصل بنا أحدهم ليلا، أشعر بالخوف. كلّ من يرى جيبًا عسكريًا في المدينة يتّصل بنا، حتى نكون على استعداد ولا يفاجئوننا".