على مشارف خمسين عامًا من الاحتلال

على مشارف خمسين عامًا من الاحتلال

تم النشر في: 5.6.16

على مشارف خمسين عامًا من الاحتلال

بعد سنة من الآن تكتمل خمسون عامًا من الاحتلال. هنالك جيل ثالث، بل ورابع، من الفلسطينيين والإسرائيليين قد ولدوا أثناء الاحتلال وهذا هو الواقع الوحيد الذي يعرفونه. على ضوء الطريقة التي تُدار بها الأمور منذ عقود، على ضوء الطريقة التي تُدار بها الأمور اليوم٬ من المشكوك فيه أن السياسات الإسرائيلية في الاراضي التي احتلتها، على ابعادها، سوف تتغير.

في 1967 كانت المكانة القانونية لجميع سكّان الاراضي المحتلة متشابهة. على مرّ السنين جرى ضمّ عشرات آلاف الدونمات لإسرائيل، وجرى إعلان قطاع غزة "كيان سياسيّ معادٍ"، أمّا الضفة الغربية فقط جرى تجزئة أراضيها إلى عشرات من القطع الصغيرة. لقد جزّأت إسرائيل هذه المناطق إلى وحدات منفصلة ومعزولة، تتمايز عن بعضها في طريقة تعريفها من قبَل إسرائيل، وفي المكانة القانونية لسكّانها، وفي الغايات التي وضعتها إسرائيل لكلّ منها. هذا الواقع المنفصم يفرض نفسه أيضًا على مبنى هذه الوثيقة، إذ تستعرض على انفراد واقع كلّ من هذه الوحدات المجزّأة.

ولكن، رغم المظهر الذي تنتجه هذه الديناميكيّة أحيانًا٬ وليس قليلاً بواسطة تجزئة المناطق الفلسطينية وفصل سكّانها، فإنه حتّى بعد كلّ ذلك ـ وبضمنه التوقيع على اتفاقيّات أوسلو، وإقامة السلطة الفلسطينية، وخروج قوّات الجيش من قطاع غزّة ـ فإن إسرائيل ما زالت تسيطر على جميع الفلسطينيين الذي يعيشون في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة، وبذلك فإنّ هؤلاء الفلسطينيين ليسوا شركاء في القرارات التي تتّخذها إسرائيل، ومن خلالها تدير حياتهم وتسيطر على مستقبلهم.

قطاع غزّة

في عام 2005، أتمّت إسرائيل خطة "الانفصال" عن قطاع غزة: أخلت جميع المستوطنات، سحبت قوّات الجيش وأعلنت انتهاء الحكم العسكري. في أيلول 2007، في أعقاب سيطرة حماس على القطاع، أعلنته إسرائيل "كيان معادٍ"، لتصبح مكانة قطاع غزة مشابهة لمكانة دولة معادية. وتتصوّر إسرائيل، وفقًا لذلك، أنّها في حِلّ من أي التزام أو مسؤولية تجاه السكّان عدى ادنى الواجبات الانسانية للحيلولة دون حدوث ازمة حادة في القطاع.

ورغم أنّه لا يوجد حضور عسكريّ دائم في القطاع، فإن إسرائيل ما زالت تسيطر على جميع المعابر الحدودية، ما عدا معبر رفح٬ الذي تسيطر عليه مصر؛ وهذا المعبر لا يتيح سوى حركة الأشخاص، ومعظم الوقت ترفض مصر فتحه. كذلك تسيطر إسرائيل على المجالين البحري والجوّي، فتمنع الفلسطينيين من إقامة ميناء أو مطار. وهكذا، فإنّ إسرائيل تسيطر سيطرة شبه مطلقة على حركة الأشخاص والبضائع من قطاع غزّة وإليه، وتتحكّم بهذه الحركة وفقًا لاعتباراتها هي. هنالك حاجة لتأشيرة تصدرها السلطات الإسرائيل لكلّ دخول إلى اراضي القطاع أو الخروج منها ـ سواء كان ذلك إلى إسرائيل أو الضفة الغربية أو دول أخرى عن طريق إسرائيل.

لقد استغلّت إسرائيل سيطرتها على المعابر ففرضت حصارًا على قطاع غزة قبل تسع سنوات تقريبًا، في حزيران 2007؛ وما زال مستمرًا حتّى اليوم. منذ فرض الحصار منعت وما زالت إسرائيل تمنع خروج السكّان من القطاع، سوى في حالات شاذّة. في سنوات الحصار الأولى منعت إسرائيل التصدير من القطاع، وإدخال آلاف المُنتجات إليه٬ وبضمنها أصناف غذائية كثيرة. اليوم، تمنع إسرائيل إدخال البضائع ذات "الاستخدام المزدوج"، وفق تعريف إسرائيل. ويُقصد بذلك أنّ هذه البضائع يمكن استخدامها لأغراض مدنيّة وعسكرية في آنٍ واحد. في هذا الإطار، فرضت قيودًا على إدخال مواد البناء كالإسمنت والحديد، والمواد الخام المستخدمة في صناعة الأثاث. أمّا التصدير فما زالت إسرائيل تمنعه منعًا شبه تامّ.

لقد تسبّب الحصار في انهيار اقتصاديّ في قطاع غزّة. لقد أُغلقت معظم المصانع ومئات المحالّ الخاصّة. وتتبدّى إسقاطات الحصار في انعدام الأمن الغذائي لشرائح واسعة من السكّان، وفي اعتماد واسع النطاق على الاغاثة الإنسانيةّ، كما في نسبة البطالة التي هي من الأعلى في العالم، وخاصّة في أوساط الجيل الشابّ.

البنية التحتيّة والخدمات العامّة في قطاع غزّة في أسوأ حال: 95% من المياه المستخرَجة في قطاع غزّة ملوّثة وغير صالحة للشرب؛ الكهرباء تصل بيوت السكّان لساعات معدودة فقط في اليوم، ويعود ذلك في جزء منه إلى نقص الوقود. تقليص تزويد الكهرباء يؤثر على منظومتي المياه والصرف الصحّي، من حيث يعتمد عملهما على توفّر كهرباء متواصلة. الخدمات الطبّية أصبحت في مستوىً لا يفي باحتياجات السكّان ولا يوفّر العلاجات اللازمة لهم.

منذ انفصال إسرائيل عن غزّة دارت ثلاث جولات قتالية على القطاع: عملية "الرصاص المصبوب"، التي انتهت في بداية 2009، عملية "عمود السّحاب" في تشرين الثاني 2012، وعملية "الجرف الصامد" في شهرَي تمّوز وآب 2014. لقد كانت الأضرار التي سبّبتها إسرائيل لقطاع غزة في أثناء هذه الحملات العسكرية ـ وخاصّة في الأولى وفي الثالثة ـ جسيمة؛ فعدا الأعداد الكبيرة من القتلى والجرحى، تسبّبت إسرائيل في أضرار كبيرة للمباني السكنيّة، للزراعة، وللبنى التحتيّة الكهربيّة والصحيّة والمائية ـ والتي كانت أصلاً على وشك الانهيار بسبب الحصار المستمرّ.

لقد حذّرت لجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أنّه ما لم يطرأ تغيّر في المنحى الاقتصادي فسوف تصبح غزّة مع حلول عام 2020 مكانًا لا يصلح للسكن. كان ذلك في تقرير عن الوضع في غزّة نشرته اللجنة في بداية أيلول 2015. تطرّق التقرير إلى الإسقاطات الناجمة عن ثماني سنوات من الحصار (حينئذٍ) وثلاث جولات قتالية، فنوّه أنّ نسبة البطالة في القطاع قد بلغت ذروة 44%، وأنّ نسبة 72% من الأسَر قد فقدت الأمن الغذائي، وأنّ مؤشّرات النموّ الاقتصادي تدلّ على منحىً عكسيّ، وأنّ إعادة إعمار القطاع تسير بوتيرة أبطأ ممّا ينبغي ـ فحتّى اليوم لم يتمّ إعادة بناء سوى جزء ضئيل من المباني والبنى التحتية التي جرى تهديمها. وفي هذا الواقع، من الحيويّ حقًّا تواصُل الدعم المالي للقطاع واستمرار عمل منظمات الاغاثة، ولكنّ ذلك لا يسعه إعادة إعمار القطاع وتأهيله. ما لمْ يطرأ تحوُّل كبير في سياسات إسرائيل٬ يشير معدّو التقرير٬ تبقى فرصة إعادة إعمار القطاع معدومة.

الضفّة الغربيّة

لقد جرى تقسيم الضفّة الغربية في اتفاقيّات أوسلو إلى ثلاثة أنواع من المناطق:

  • مناطق A وB: لدى توقيع الاتفاقيات كانت هذه المناطق في معظمها مساحات فلسطينية مأهولة، سكن فيها٬ حينئذٍ واليوم – معظم السكّان الفلسطينيّين. تشكّل المنطقتان A وB نحو 40% من مساحة الضفة، وقد تمّ نقلها رسميًا إلى السلطة الفلسطينية لتكون تحت سيطرتها الكاملة أو الجزئية. ليس هنالك تواصُل جغرافيّ بين هذه المناطق، وهي مكوّنة من 165 "جزيرة" متناثرة في أنحاء الضفة.
  • שטחمناطق C: كافة المساحة المتبقية تمّ تعريفها على أنها مناطق C، وتتواجد تحت سيطرة إسرائيل الكاملة. هذا مجال متواصل، توجد داخله "جزر" من مناطق تم تعريفها كمناطق A و B، ويشكّل حوالي 60٪ من مساحة الضفة الغربية. هذه المساحة تشمل تقريبا كافة موارد أراضي البلدات الفلسطينية وكافة المستوطنات والمناطق التي تستهدف إسرائيل تنميتها.

كان يُفترض أن يستمرّ هذا التقسيم لخمس سنوات فقط، إلى حين توقيع الاتفاق النهائي؛ ولكن إسرائيل ما زالت تطبّقه حتّى اليوم وبعد مضيّ أكثر من عشرين سنة على وضعه. ولا تستجيب إلى احتياجات التطوير المدني والاقليمي للسكان الفلسطينيين، كما تعيق احتمالات النموّ الاقتصادي. كذلك، يُنشئ هذا التقسيم وهمًا بأنّ السلطة الفلسطينية هي المسؤولة الرئيسية عن حياة معظم السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، ولكنّ ما يجري فعليًا هو أنّ أيّ قرار تتّخذه هذه السلطة٬ – مهما كان هامشيًا٬ يتطلّب موافقة (ولو بالسكوت عنه، أحيانًا) السلطات الإسرائيلية.

تمييز المناطق C عن المناطق التي نُقلت إلى السلطة الفلسطينية وفصلها عنها، هو إجراء اصطناعي لا يعكس الواقع الجغرافي أو الحيّز الفلسطيني. المناطق A وB غير متّصلتين جغرافيًا وإنّما تتشكّل من عشرات "الجُزر" المحاطة بمساحات شاسعة وممرّات ضيّقة جرى تعريفها على أنّها مناطق C. وهكذا، فإنّه برغم أنّ الغالبيّة العظمى من سكّان الضفة الغربية الفلسطينيين يعيشون في هذه المناطق، إلاّ أنّ احتياطي الأرض اللازم لتطوير البلدات في تلك المناطق قد بقي ضمن المناطق C، ويشمل ذلك أراضٍ كانت ضمن نطاق نفوذ مجالس تلك البلدات، بل وجزء منها أراضٍ بملكيّة خاصّة. أيّ استخدام لهذه الأراضي لغرض توسيع البلدات التي بقيت ضمن المناطق A وB٬ إقامة المصانع والمنشآت الزراعية ومدّ شبكة المياه أو تعبيد الطرق٬ يحتاج الى مصادقة من إسرائيل، وإسرائيل تمتنع عن ذلك.

يقرّ البنك الدولي ـ في تناوُله معطيات عام 2011 ـ أنّه لولا القيود التي تفرضها إسرائيل على التطوير الاقتصادي في مناطق C، لسجّل الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني ارتفاعًا قيمته 4.3 مليارد دولار سنويًا. منذ ذلك لم يطرأ أي تغيّر ملحوظ في سياسات إسرائيل. علاوة على ذلك، تسيطر إسرائيل على جميع معابر الحدود بين الضفة والأردن، وعلى جميع الطرق المؤدّية إلى المناطق A وB؛ وعليه فإنّها تملك مطلق الصلاحيّة لتقرّر أيّ البضائع تدخل إلى الضفّة عمومًا وإلى المناطق التي نُقلت إلى السلطة الفلسطينية خصوصًا.

كذلك تواصل إسرائيل سيطرتها على جميع الأفراد سكّان الضفة الغربية الخاضعين شكليًا للسلطة الفلسطينية: كلّ سَفْرَة للفلسطينيين من مدينة إلى مدينة ومن منطقة إلى منطقة تتطلّب المرور في مناطق تحت سيطرة إسرائيل التامّة؛ وفي هذا الواقع هم مجبَرون أن يكونوا على تماسّ مع قوى الأمن الإسرائيلية. قوى الأمن هذه تدخل باستمرار إلى المناطق A وB، وغالبًا ما يكون ذلك بالتنسيق والتعاون مع السلطة الفلسطينية. وتواصل إسرائيل إقامة منظومة القضاء العسكري في الضفة، حيث يتعرّض للمحاكمة آلاف الفلسطينيين سنويًا ـ غالبيّتهم العظمى من سكّان المناطق A وB. كذلك فإنّ سكّان الضفة الغربية جميعهم لا يستطيعون السفر إلى الخارج دون إذن إسرائيلي، كما أنّ المواطنين الأجانب لا يمكنهم الدخول إلى الضفة دون إذن من إسرائيل.

رغم هذا الواقع، فإن إسرائيل ترى نفسها في حِلّ من المسؤولية عن سكّان المناطق A وB، بدعوى أنّ السلطة الفلسطينية هي المسؤولة عنهم حصريًا. والواقع أنّ إسرائيل لا تعتبر نفسها مسؤولة عن تلبية احتياجات السكّان الفلسطينيين في المناطق C ايضاً٬ والذين يبلغ عددهم٬وفق التقديرات بين 200 إلى 300 ألف نسمة. عوضًا عن ذلك، تعمل السلطات الإسرائيلية، عبر استخدام أجهزة متنوّعة، على تقليص الوجود الفلسطيني في هذه المناطق إلى الحدّ الأقصى. من هنا، وبمختلف الحجج تمنع هذه الأجهزة أولئك السكّان من أيّة إمكانية للبناء والتطوير؛ وقد أعلنت مساحات شاسعة من مناطق C مناطق عسكرية وأراضي دولة لأجل منع الفلسطينيين من البناء فيها. في المساحة الضيّقة المتبقّية ـ التي تشكّل ثلث مجمل المساحة ـ تمتنع الإدارة المدنية عن إعداد خرائط هيكلية تعكس احتياجات السكان، ولا تصادق على خرائط هيكلية كهذه حين تقدّم إليها. في هذه الحالة يضطر الفلسطينيون إلى البناء بلا ترخيص، فيتلقّون من الإدارة المدنية تهديدات بهدم بيوتهم، وفي بعض الحالات تنفّذ الإدارة تهديداتها فعليًا. تجد هذه السياسة تعبيرها الأعنف في كيفيّة تعامُل إسرائيل مع عشرات تجمّعات الفلسطينيين شبه الرحَّل المنتشرة في أنحاء المناطق C، حيث تطرد السكّان أو تحاول طردهم من بيوتهم ومناطق سكناهم، وذلك لكي تفرض عليهم الانتقال إلى المناطق المصنّفة A وB.

تتعامَل إسرائيل مع المناطق C على أنّها وُجدت لتخدم أغراضها فقط، وكأنّها تقع ضمن نطاق سيادتها: إنّها تستغلّ هذه المناطق لأجل توسيع المستوطنات. وقد تضاعفت نسبة المستوطنين ثلاث مرّات وأكثر منذ توقيع اتفاقيّات أوسلو. يعيش اليوم آلاف المواطنين الإسرائيليين في أكثر من مئتي مستوطنة مرخّصة وغير مرخّصة في أنحاء الضفّة، وجميعها أقيمت خلافًا لأحكام القانون الإنساني الدولي، وجزء منها خلافًا حتى للقانون الإسرائيلي.

لأجل إقامة هذه المستوطنات جرى على مرّ السنين سلبُ مئات آلاف الدونمات، بما في ذلك أراضي مراعٍ وأراضيَ زراعية، لتُخصّص بكرَم للمستوطنات. لقد أُعلن جزء كبير من هذه المساحات "أراضي دولة:، وذلك استنادًا إلى تأويل مشبوه للقانون وبتجاهُل لحقيقة أنه في جميع الأحوال ـ يدور الحديث هنا عن أرضٍ عامّة ينبغي أن تخصّص لخدمة السكان الفلسطينيين؛ وسُلبت أراضي أخرى بطريقة فرض الأمر الواقع وباستخدام العنف. جميع مناطق الاستيطان أُعلنت "مناطق عسكرية مغلقة" يُمنع الفلسطينيون من دخولها دون إذن مسبق.

المستوطنات هي العامل الأكثر تأثيرًا على واقع الحياة في الضفة الغربية، وإسقاطاتها على حقوق الإنسان للفلسطينيين تتجاوز كثيرًا نطاق الأرض المسلوبة لأجل إقامتها: هنالك أراضٍ إضافية صودرت من الفلسطينيين لأجل شقّ مئات الكيلومترات من الشوارع الالتفافية لصالح المستوطنين؛ حواجز ووسائط أخرى تقيد حركة الفلسطينيين فقط وُضعت تبعًا لمواقع المستوطنات؛ الطرق إلى كثير من الأراضي الزراعية ـ داخل وخارج نطاق المستوطنات ـ أُغلقت فعليًا في وجه أصحابها الفلسطينيين؛ والمسار الملتوي للجدار الفاصل ـ الذي ينتهك بشكل صارخ حقوق الفلسطينيين القاطنين على جانبيه ـ قد تمّ جرى ترسيمه داخل أراضي الضفة بحيث يبقى غربيّ الجدار العدد الأكبر من المستوطنات الواقعة والأراضي التي تعدّها إسرائيل لتوسيع تلك المستوطنات.

القدس الشرقيّة

في حزيران 1967، بعد انتهاء الحرب مباشرة، ضمّت إسرائيل نحو 70٫000 دونم من أراضي الضفة إلى مناطق نفوذ بلدية القدس، وأخضعتها للقانون الإسرائيلي، مخالفة بذلك القانون الدولي. مُنح سكّان المناطق التي جرى ضمّها مكانة مقيم دائم في إسرائيل، فاستحقوا بذلك حقّ التنقّل ضمن حدود إسرائيل، وحقّ تلقّي مخصّصات التأمين الوطني وتأمين الصحة الحكومي؛ ولكن أبدًا لم يتمّ اعتبارهم متساوي الحقوق من قبَل السلطات.

منذ أن ضمّت إسرائيل تلك المناطق اتّخذت السلطات الإسرائيلية سياسات تميّز ضدّ السكان الفلسطينيين القاطنين فيها، وتعمل بطرق عديدة على رفع نسبة اليهود في المدينة وتقليص نسبة الفلسطينيين؛ وذلك بهدف خلق واقع ديمغرافيّ وجغرافيّ يكبح أيّة محاولة مستقبليّة لزعزعة السيادة الإسرائيلية في القدس الشرقيّة. في سبيل ذلك صادرت السلطات آلاف الدونمات من السكان الفلسطينيين وبنت 12 حيًّا مخصّصة كلّها لليهود فقط، وذلك فوق المناطق المحتلة التي جرى ضمّها لإسرائيل. مكانة هذه الأحياء، من ناحية القانون الدولي، لا تختلف عن مكانة المستوطنات في أراضي مناطق الضفة الغربية.

في غياب احتياطيّ الأرض، يضطرّ السكان الفلسطينيون إلى الازدحام في الأحياء القائمة. تفرض السلطات قيودًا كثيرة على البناء في الأحياء الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تتيح للمستوطنين اليهود الاستيطان في قلب تلك الأحياء والسكن فيها، وترحيل الفلسطينيين عن بيوتهم ضمن ذلك. علاوة، تنتهج السلطات الإهمال كسياسة عندما يتعلق الأمر بالسكان الفلسطينيين، وتميّز ضدّهم في تخصيص الميزانيات وتقديم الخدمات، إذ تقدّم وتخصّص هذه وتلك للأحياء الفلسطينية على نطاق ضيّق وجزئي فقط.

في السنوات الأولى التي تلت الضمّ، ظلّت منطقة القدس الشرقية تنشط كمركز مدني يؤمّه كثيرون من سكّان الضفة، إذ واصل هؤلاء عملهم في المدينة والدراسة فيها وشراء حاجيّاتهم منها. ولكن في بداية التسعينيّات قيّدت إسرائيل دخول الفلسطينيين إلى حدود إسرائيل ووضعت الحواجز الفاصلة بين المناطق التي جرى ضمّها وبقيّة مناطق الضفة الغربية. لقد مُنع الفلسطينيون القاطنون في المناطق غير المضمومة من دخول المدينة، إلاّ إذا حصلوا على تصريح خاصّ. نتيجة لذلك انقطعت منطقة القدس الشرقية عن بقيّة أراضي الضفة وفقدت مكانتها كمركز مدنيّ للمنطقة.

اتّباع السلطات الإسرائيلية هذه السياسة لسنوات طويلة أودى بكثير من سكان المدينة الفلسطينيين إلى اختيار ترك المدينة والخروج إلى مناطق أخرى ـ في كثير من الحالات، إلى مناطق الضفة الغربية التي لم تضمّها إسرائيل. في منتصف التسعينيّات تبيّن لأولئك الاشخاص أنهم فقدوا بذلك مكانة الاقامة الدائمة وحقّهم في السكن في المكان الذي وُلدوا وترعرعوا فيه. استندت هذه السياسة إلى توجّه لدى السلطات الإسرائيلية، يعتبر مكانة الفلسطينيين سكان المدينة مماثلة لمكانة مهاجرين اختاروا السكن في إسرائيل، وذلك رغم أنّ إسرائيل هي التي ضمّتهم وفرضت سيادتها على المناطق التي يسكنونها.

تجاهُل السلطات الإسرائيلية احتياجات السكان الفلسطينيين، وتعامُلها معهم كغرباء أو كأجانب، انعكس على نحوٍ واضح في إقامة الجدار الفاصل داخل المدينة. المسار الذي جرى اختياره لبناء الجدار أبقى 8 أحياء فلسطينية وراء الجدار، بما فيها مخيّم شعفاط للاّجئين. يعيش في هذه الأحياء أكثر من مئة ألف إنسان، وفقًا للتقديرات. وهي تشكّل جزءًا من منطقة نفوذ بلدية القدس، ويدفع سكّانها الضرائب لبلدية القدس. ولكن بلدية القدس والوزارات الحكومية المختلفة تتجاهل تلك الأحياء فتمتنع عن دخولها وترفض تزويد سكّانها بالخدمات الحيوية، وبذلك تحوّلت هذه الأحياء إلى مناطق يبدو عليها الإهمال الشديد. هذه الأحياء محرومة من الخدمات البلدية الأساسية والحيوية، مثل إخلاء النفاية، شقّ الطرق، وخدمات التربية والتعليم. كما أنها تعاني نقصًا حادًّا في عدد الصفوف التعليمية ورياض الأطفال. البنية التحتية للمياه والصرف الصحّي في تلك الأحياء لا تكفي لسدّ احتياجات السكان، ولم يطرأ عليها أيّ تطوير. يعاني السكّان أيضًا من قيود شديدة على حركتهم وتنقّلهم، وذلك جرّاء عرقلتها على الحواجز والازدحام الذي تسبّبه تلك الحواجز في الطرق المؤدية إليها.

إلى أين نحن متّجهون؟

قبل نحو خمسين سنة احتلّت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك المناطق التي ضُمّت إلى القدس الشرقية. حتى يومنا هذا، ما زالت إسرائيل تسيطر على هذه المناطق ـ عليها وعلى سكّانها.

في قطاع غزّة تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤولية عن السكان، وهي على استعداد لتلبية احتياجاتهم الدّنيا لا غير، ممّا يكبح أيّة إمكانيّة لإعادة تأهيل للقطاع أو إنعاش اقتصاده. رغم الوضع الصعب في القطاع، والتوقّعات القائلة إنّه في غضون سنوات قليلة سوف يصبح مستحيلاً استمرار العيش فيه ترفض إسرائيل تغيير سياساتها. ولأنّ الطريقة التي اتّبعتها إسرائيل في كلّ نواحي "الانفصال عن قطاع غزة" قد أنتجت سابقة خاصّة، من منظور القانون الدولي، فإنّ الضبابيّة القانونية المحيطة بالواجبات الواقعة على إسرائيل اليوم ليست أمرًا مفاجئًا. ولكن خلال السنوات التي انقضت منذئذٍ، تبلورت لدى صناع السياسات وقانونيون، في العالم وفي إسرائيل، رؤية مفادها أنّه وإن كان قانون الاحتلال لا يسري بعدُ كلّه على إسرائيل في قطاع غزّة، فمن الواضح أنّ إسرائيل لا يمكنها اعتبار واجباتها تجاه سكان القطاع مماثلة لواجباتها تجاه سكان "دولة معادية". إنّ نطاق سيطرة إسرائيل على قطاع غزة ـ في الماضي كما في الحاضر ـ يلقي عليها بالمسؤولية عن حياة سكان القطاع؛ وأيّ تأويل مغاير عمادُه الحجج الشكلية التي لا تعكس أحكام وروحَ القانون الدولي، هو تأويل لا يقبله عقل. أيّة فذلكة قانونية مهما تلوّتْ لا يمكنها تمويه حقيقة ما يجري: واقع الحياة في القطاع شبيه بواقع دولة عالم ثالثيّة في طور الانهيار٬ ليس جرّاء كارثة طبيعية، وإنّما جرّاء فعل الإنسان فقط لا غير.

في الضفة الغربية، تدير إسرائيل الأمور بشكل يدلّ على أنها لا ترى الاحتلال كواقع مؤقت. عوضًا عن ذلك، هي تتصرّف في مناطق الضفة كما لو كانت ملكًا لها، كما لو كانت تحت سيادتها الكاملة: إنّها تسلب الأراضي، تستغلّ الموارد الطبيعية لاحتياجاتها هي، وتقيم هناك مستوطنات دائمة. من جهة أخرى، تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤولية تجاه سكان الضفة الفلسطينيين، الذين يعيشون منذ نحو خمسين سنة تحت حكم عسكريّ صارم يخدم أوّلاً وقبل كلّ شيء مصالح إسرائيل والمستوطنين. هؤلاء السكان يخضعون لسلسلة من الأوامر العسكرية التي تقيّدهم وتنتهك حرّياتهم وحقوقهم، وهم ممنوعون من المشاركة في انتخاب الممثلين الإسرائيليين الذين يشغلون مناصب في هيئات تتّخذ قرارات تمسّ أمور حياتهم.

القدس الشرقية٬ والتي هي جزء من المناطق المحتلة، ضمّتها إسرائيل خلافًا لأحكام القانون الدولي. ورغم ذلك فهي تتعامل مع السكان الفلسطينيين هناك كما لو كانوا مهاجرين غير مرغوبٍ فيهم ـ رغم أنّها هي التي فرضت نفسها على مناطقهم؛ وهي تطبّق هناك سياسة ممنهجة غرضها ترحيلهم عن بيوتهم وعن مدينتهم.

* * *

تدير إسرائيل في المناطق التي تسيطر عليها منذ نصف قرن واقعًا من السلب والاضطهاد ودَوْس حقوق الإنسان. في قطاع غزة تطبّق إسرائيل، بواسطة السيطرة من الخارج، سياسة عمادُها القسوة، متنصّلة خلال ذلك من إسقاطاتها المتطرّفة على حياة السكان. إذا استمرّت إسرائيل على هذا الطريق، فإنها ستودي بقطاع غزة إلى الانهيار والخراب؛ في الضفة الغربية٬ تطبّق إسرائيل، بواسطة السيطرة المباشرة وكذلك بواسطة السلطة الفلسطينية، سياسات ذات غايات بعيدة المدى واضحة. أمّا القدس الشرقية فقد ضمّتها إسرائيل، وهي تنشغل ضمن ذلك في حرمان سكّانها الفلسطينيين وترحيلهم من المدينة.

جهات رسميّة إسرائيلية تنكر مسؤولية إسرائيل عن الواقع الذي نَصِفه في هذه الوثيقة، وعن انتهاكات حقوق الإنسان بحق الفلسطينيون. عوضًا عن ذلك، تلقي هذه الجهات بالمسؤولية على الفلسطينيين، كما أنّها تتوارى خلف الاعتبارات الأمنيّة. عَبْرَ ذلك، تحاول إسرائيل ـ وبنجاح غير قليل ـ تمرير ادّعاء يقول بأنّ الفلسطينيين هم المسؤولون الأساسيّون عن هذا الوضع. أمّا العلاقة بين الاعتبارات الأمنيّة والسياسات التي ورد وصفُها هنا فهي علاقة واهية.

هذا وأيضًا: وفقًا لما عرضناه في هذه الوثيقة، إسرائيل هي التي تسيطر على ملايين الفلسطينيين، وهي التي تُملي كيف تكون حياتهم وما هو مصيرهم. لو أرادَت لانتهى الاحتلال، ورُفع الحصار عن قطاع غزة، وتحرّر ملايين الفلسطينيين من سيطرتها. ولو أرادَت فسوف يستمرّ الواقع الحالي لسنين طويلة قادمة. حتّى إنّ بحثًا لاستطلاع آراء الجمهور الإسرائيلي، أجرته "بتسيلم" مؤخّرًا، يكشف أنّ الجمهور يدرك ذلك جيدًا: 42% يرون أنّ القدرة على تغيير الوضع، و/أو التقدّم في اتجاه تسوية، هي في يد إسرائيل؛ وفقط رُبع الجمهور يرى أنّ مفاتيح التغيير هي في يد الفلسطينيين. 44% من الجمهور في إسرائيل يرون أنّ هدف الحكومة من وراء سياستها في الاراضي المحتلة هو استمرار الحكم العسكري؛ وفقط خُمْس الجمهور يرى أنّ إسرائيل تصبو إلى "حلّ الدولتين". بقيّة الجمهور تنقسم بين مَن يرون بأنّ سياسة الحكومة غايتها ضمّ الاراضي المحتلة، ومَن يصرّحون بأنهم لا يعرفون ما هي الغاية التي تسعى إليها إسرائيل. إذن فالإسرائيليون يقرأون الخريطة جيّدًا: هم يعرفون أنّ مفاتيح إحداث التغيير في أيديهم هُم ـ ولكنّهم يختارون ألاّ يفعلوا ذلك.

إسرائيل تختار سياسة استمرار السيطرة على الفلسطينيين ـ والجمهور الإسرائيلي يفهم ذلك جيّدًا. في هذه الحالة، وبعد مرور نحو خمسين سنة، لا يصحّ النظر إلى هذه السياسة على أنّها مؤقتة، أو الاستمرار في تصديق أنّ إسرائيل تنوي تغييرها. وبالقدر نفسه لا يصحّ تصديق أنّ هناك احتمال لمستقبل مغاير ـ تُرسى فيه حقوق الإنسان لجميع الاشخاص القاطنين بين النهر والبحر ـ طالما استمرّ الدعم الدوليّ والموافقة الدوليّة على السياسات التي تنتهجها إسرائيل.

الدّيناميكيّة السياسية في إسرائيل، في كلّ ما يتعلّق بالواقع في الاراضي المحتلة تُراوح بين التجاهُل ـ وخصوصًا تجاهُل ما يحصل في غزة وفي المناطق A وB٬ ومحاولات الاستمرار في سَلب الفلسطينيين وحرمانهم ـ خاصّة في القدس الشرقية وفي المناطق C. المبادرات القليلة التي طرحها مؤخرًا ما يُعتبَر "المركز السياسي" في إسرائيل، بشأن تسوية مستقبلية أيًّا كانت مع الفلسطينيين، شملت حرمان المزيد من الفلسطينيين في القدس؛ أمّا مبادرات اليمين فقد اشتملت على وجه الخصوص الضمّ الرسميّ لمزيد من أراضي الضفّة.

وفي الحلبة القضائية أيضًا ليس هنالك ما يبشّر بحلّ: التطبيق الفعليّ لإجراءات السيطرة على الفلسطينيين يتطلّب ضلوع أطراف كثيرة في إسرائيل، ولكنّ تطبيق هذه السياسة ما كان ليتمّ لولا تجنُّد المنظومة القضائية للمصادقة على أي مطلب للسلطات تقريبًا. هدم البيوت، الاعتقالات الإدارية، تهجير التجمّعات السكّانية، التعذيب، إغلاق الطرق، والجدار الفاصل (وهذه قائمة جزئية فقط)٬ كلّها ممهورة بختم قانونيّ من المحكمة العليا. المنظومة القضائية، التي يُفترض أنّها ـ بل وتدّعي أنّها ضمانة ـ حماية حقوق الإنسان للفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيطرة إسرائيلية، قد أصبحت "أداة" مركزية لتلك السيطرة، وبالمعنى الحرفيّ للكمة.

أمّا في الحلبة الدوليّة فما يتمّ فعله لأجل مساءلة الاحتلال في الضفة أو سياسة إسرائيل في غزّة هو قليل جدًا٬ وذلك خلافًا لما تدّعيه إسرائيل ومخالفة للعهود الدوليّة المتعلّقة بحقوق الإنسان. جولة تلوَ أخرى من المحادثات لم تجلب للفلسطينيين إحقاق حقوقهم ـ واتفاقيّات أوسلو زادت، في نهاية الأمر، من انتهاك حقوقهم ـ بل إنّها أتاحت لإسرائيل سنوات مديدة لتعزيز مصالحها ودَوْس حقوقهم.

كلّما سمح العالم باستمرار هذا الواقع ازداد سوءًا. إنّ الوضع الرّاهن صعب، ولكنّ تقديرًا واقعيًا للموقف يجب أن يأخذ بالحسبان الاحتمالات المستقبليّة المتوقّعة. هل في عام 2026 ستبقى هنالك تجمّعات سكّانية فلسطينية في منطقة الأغوار؟ كيف ستكون حالة الاقتصاد الفلسطيني المشلول؟ كم حيًّا فلسطينيًا سيجري فصلها عن القدس الشرقية؟ وكيف ستكون حياة ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة؟

الحقائق التي استعرضتها هذه الوثيقة ـ وكذلك مغزاها ـ معروفة. في أوساط المهتمّين بحقوق الإنسان، وكذلك في الحلبة الدولية هنالك منذ زمن طويل توافق تامّ حول هذه الحقائق. كذلك فإنّ الوقوف جانبًا دون فعل أيّ شيء مغزاه معروف. المطلوب ليس مزيدًا من الكلمات والتحليلات، وإنما عمل جادّ وحازم يعكس وقف التعاون مع سياسة إسرائيل الرّامية إلى مواصلة السيطرة على الفلسطينيين سكّان الاراضي المحتلة.