خدمات تقدّمها بلدية القدس للأحياء الفلسطينية وراء الجدار: هدم البيوت في قلنديا

خدمات تقدّمها بلدية القدس للأحياء الفلسطينية وراء الجدار: هدم البيوت في قلنديا

تم النشر في: 
14.11.16

في تموز عام 2016، هدمت السلطات الإسرائيلية 13 منزلاً بُنيت في الجزء الشرقي من قلنديا البلد، على مقربة من الجدار الفاصل، وفي أيلول صدر أمر هدم إضافي في هذه المنطقة. نتحدّث هنا عن منطقة البلدة، المعرّفة كجزء من أراضي القدس المحليّة وجزء من سكّانها يحملون الهويات الإسرائيليّة، يدفعون ضريبة الأرنونا والتأمين الوطنيّ، ويحق لهم الحصول على الخدمات من قبل بلدية القدس. لكن منذ عزل قلنديا بواسطة الجدار، تفاقم إهمال هذه الأحياء، على غرار الأحياء الأخرى الواقعة ضمن مسطّح نفوذ القدس ولكن المعزولة بواسطة الجدار. بلدية القدس لا توفّر لها الخدمات المحليّة، وتكاد لا تطبّق فيها قوانين البناء. سياسة التّخطيط التي تتّبعها بلدية القدس، تمنع تراخيص البناء عن الفلسطينيين في الأحياء الواقعة غرب الجدار، وتجبرهم على البناء بدون تراخيص، وبالتالي نشأت أزمة سكن شديدة جرّاء إجراءات تطبيق القانون المتكرّرة من قبل البلديّة . هذا الواقع حوّل الأحياء الواقعة شرقيّ الجدار إلى منطقة جاذبة بالنسبة للفلسطينيين حمَلة الهوية الإسرائيليّة، حيث يتيح السكن فيها المحافظة على مكانة "مقيم" في القدس الشرقيّة وحيث تتيح قلّة إجراءات التطبيق بناء المنازل.

خريطة منطقة قلنديا. المساحة الحمراء هي التي قامت فوقها المنازل التي هدمتها البلدية – اضغطوا للتكبير.
خريطة منطقة قلنديا. المساحة الحمراء هي التي قامت فوقها المنازل التي هدمتها البلدية – اضغطوا للتكبير. 

لكن هذه المرّة قررت البلديّة بشكل استثنائيّ توفير الخدمات في هذه المنطقة أيضًا- هدم المنازل التي بُنيت في المكان.

خرجتُ إلى التّقاعد المبكّر وتلقّيت تعويضات... قرّرت أن أستثمرها في تشييد بيت لأنّنا عانينا من الاكتظاظ. أردنا الخروج من عناتا، لأنّ السّكن هنا مكتظّ جدًا، ولأنّه لا مجال للحفاظ على أيّة خصوصيّة. ورثت زوجتي عن عائلتها قسيمة أرض في قلنديا، حينها قرّرنا أن نشتري قسيمة أخرى متّصلة نضمّها إليها.

باشرنا البناء في آذار/مارس 2016. توجّهنا إلى موقع البناء يوميًّا، فكّرنا وتكلّمنا كثيرًا حول المبنى والتّقسيم الدّاخليّ - هنا ستكون غرفة نومنا، وهنا غرفة البنت، هناك غرفة الابن، إلخ. خطّطنا كيف حينما يكبرون ويتزوّجون، سنبني لكلّ واحد طابقًا خاصًّا به، وهذا البيت سيظلّ لنا. هكذا حلمنا أن نعيش...إلّا أنّه وفي تاريخ 28.06.2016، عثرنا على أمر توقيف عن العمل معلّق على البيت الجديد، ولكن قبل أن نستوفي تقديم طلب الاستئناف، وصلت إلى البلدة قوّة إسرائيليّة كبيرة مزوّدة بجرافات وبدأت بهدم مبانٍ في الحيّ...انسحبت القوّات في ساعات الصّباح المبكّرة. نظرت إلى البيت، ورأيت أنّه تحوّل إلى كومة من التراب وكتل الباطون. مشهد يقشعرّ له البدن. كنت مصدومًا، في اللحظة الأخيرة اختُطفت الفرحة وسُدّت نافذة الأمل . لم يظلّ أيّ شيء من مجهودنا ومن مدّخراتنا التي جمعناها طيلة حياتنا... كنّا قد اقتربنا جدًا من الانتقال إلى البيت الجديد؛ وفجأة - خلال ساعة واحدة - تحوّل إلى كومة من الرّكام تذكّرنا دائمًا بألمنا، كنصب تذكاريّ.

من إفادة صلاح عجالين، معلّم متقاعد

أثناء شهر حزيران، في 23 و30 منه، وصل موظفو بلديّة القدس إلى وادي العرايس - وهو حيّ شرقي قلنديا يقع ضمن مسطّح نفوذ البلدية - وعلّقوا أوامر وقف العمل لـ13 مبنى جديدًا. صدرت بعض الأوامر بحجّة "البناء غير المرخّص" وغيرها بحجّة البناء على أرض مصادرة. عُلّقت الأوامر على الجدران الخلفيّة للمباني في وقت متأخر من الليل، ولم تُذكَر فيها أسماء المالكين وإنّما الإحداثيات الجغرافية فقط. في تاريخ 24.7.16 عُلّق على المباني نفسها 13 أمر هدم إداريّ ، صدرت عن وزارتي الداخليّة والماليّة الإسرائيليّتين، وأشير فيها إلى أنّه سيجري هدم المباني في غضون ما بين 24 و 72 ساعة. توجّه أصحاب المنازل لطلب المساعدة من السلطة الفلسطينيّة، فحوّلت الأمر لمركز القدس، الذي يمنح تمثيلاً قضائيًا في حالات كهذه.

يوم الاثنين، 25.7.16، عند الساعة 21:00، وقبل أن يتمكّن معظم السكان من الطّعن ضدّ الأوامر، وصلت إلى الحيّ جرّافات ترافقها قوى الأمن وهدمت 13 منزلاً وجدارًا زراعيًا. بهذا خلّفت السلطات 53 مواطنًا بينهم 27 قاصرًا دون مأوىً، وألحقت أضرارًا جسيمة بعشرات الأشخاص الآخرين، الذين كانوا على وشك الانتقال إلى المنازل التي بُنيَت للتوّ ولم تُسكن بعد.

خرائب منزل هشام حسين. في الخلفية، جدار الفصل. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16
خرائب منزل هشام حسين. في الخلفية، جدار الفصل. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16

انتقلنا للعيش في البيت الجديد في 24.06.2016؛ وفي الليلة التي سبقت هذا اليوم ألصقوا على مداخل 11 بيتًا، بما فيها بيتي، أوامر إيقاف عمل بحجّة البناء غير المرخّص. لم يسلّمونا الأمر يدويًّا، بل ألصقوه على جدار خلفيّ للبيت، ولم نعلم عن وجوده. في ليلة 24.07.2016، ألصقوا مجدّدًا أوامر هدم على بيوتنا. واتّضح لنا أنّ هذه أوامر هدم يصعب جدًا الاستئناف ضدّها، وخلال 24 ساعة، قدمت قوّة إسرائيليّة الإسرائيليّة وهدمت بيتنا.

لم نستطع أن نُخرج شيئًا من البيت. بدأنا بإخراج بعض الأثاث، إلّا أنّ قوّات إسرائيليّة باشرت خلال 10 دقائق بإلقاء قنابل صوتيّة وغازيّة داخل بيت الدّرج. سحبنا الثلاّجة، أنا وأخي إبراهيم، ولم ننجح في إنزالها. حينما شممنا الغاز تركناها على الدّرج وهربنا فورًا، وحينها أبعدتنا القوّات عن السّاحة. ذهبت مع العائلة كاملة إلى بيت عمّتي، التي تسكن في منطقة قريبة. باشرت الجّرافات بهدم المبنى. شعرت بالاختناق، صعوبة في التّنفّس، وخيبة أمل عميقة. اعتصر قلبي ألمًا. سالت دموعي. نظرت إلى أبنائي واعتصر قلبي. عملت طيلة حياتي لكي أدّخر المال لبناء بيت الأحلام، لي ولهم.

من إفادة هشام حسين، من سكان الحيّ

البناية التي شيّدها رأفت عوض الله. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16
البناية التي شيّدها رأفت عوض الله. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16

في 19.9.16 وصلَ ممثّل عن وزارة الداخلية الإسرائيلية، برفقة ضباط شرطة حرس الحدود، إلى موقع بناء آخر تقام فيه بناية سكنيّة مكوّنة من ثماني طوابق في حيّ الوعر، والذي يقع هو أيضًا في الجانب الشرقيّ من قلنديا وضمن مسطّح نفوذ القدس. أمر رجال الشرطة مالك البناية شفهيًا بإيقاف العمل وأبلغوه أنّه سيتمّ هدم البناية.

رأفت عوض الله على خلفية بنايته. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16في يوم الإثنين، 19.09.2016، في تمام السّاعة 10:00 صباحًا، وصل إلى موقع البناء خاصّتي ممثّل عن وزارة الدّاخليّة الإسرائيليّة، وكان بصحبة رجال شرطة حرس الحدود. داهموا موقع البناء، صوّروا الأرض والمبنى، وأخذوا قياسات. قال لي الممثل: خلص، أوقف العمل وسرّح العمّال. هذا سيوفّر عليك مصاريف، لأنّ البناية ستهدم. سألته ما سبب الهدم، إلّا أنّه لم يشرح، واكتفى بقوله أنّني سأتلّقى بلاغًا بهذا الشّأن، عبر البريد. وحينها غادروا المكان.

هدم البناية سيدمّر مستقبلي ومستقبل عائلتي، وسيدمّر 9 أسر أخرى اشترت منّي الشّقق ولا تزال تنتظر إتمام البناء. أنفقت هذه العائلات كلّ مدّخراتها، باعت مجوهراتها، وكلّ هذا من أجل الشّقق. تخيّل ماذا سيحدث لهؤلاء الأشخاص حينما تهدم الجرّافات كلّ أحلامهم.

منذ أن حصل ذلك، لا أذوق طعم الراحة لي في النّهار، ولا النوم في الليل. أخشى أن يأتوا في أيّة لحظة لتنفيذ الهدم. استثمرت في هذا المشروع كلّ حياتي وكلّ ما ادّخرت طيلة سنوات عملي.

من إفادة رأفت عوض الله، مالك البناية

خلفيّة

قلنديا البلد، هي بلدة فلسطينيّة تقع شمال القدس، في محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية. شرقي البلدة يقع المطار المعطّل "عطروت"، وشمالها تقع بلدة رافات الفلسطينيّة. قسم من الأحياء الشرقية لقلنديا يقع ضمن مسطح نفوذ بلدية القدس. وفقًا لمعطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2016، يعيش في قلنديا 1378 نسمة، يحمل معظمهم بطاقات هوية من السلطة الفلسطينية، وأقلية بنسبة عشرة في المئة (10%) تقريبًا - يعيش معظمهم في الأحياء الشرقية من البلدة - يحملون بطاقات هوية إسرائيلية تُمنح لسكان القدس الشرقية.

في عام 2006، شيّدت إسرائيل مقطعًا من الجدار الفاصل فصل قلنديا تمامًا عن القدس الشرقيّة وعن البلدة الفلسطينيّة رافات التي تقع شمالها. في عام 2012 شيّدت إسرائيل مقطعًا إضافيًا من الجدار  طوّق قلنديا من جهة الشرق وفصَلها عن شرقيّ القدس. في موازاة ذلك، فتحت السلطات في الجدار فتحة خروج في اتجاه رافات، وهي تشكّل اليوم المخرج والمدخل الوحيد لسكّان البلدة.. 

أحد الأحياء الواقعة شرقيّ البلدة (حيّ المطار) أُبقي خارج الجدار، في المنطقة الواقعة بين قلنديا والقدس الشرقيّة، وقد أحاطته السلطات بجدار إضافيّ، غير متّصل بحيث يمكن للمشاة وللسيارات المرور عبره. في البداية نصب الجيش في جدار الفصل بين قلنديا البلد وحيّ المطار بوّابة تُفتح ثلاث مرّات في اليوم لإتاحة المرور بين الحيّ وبقيّة أجزاء البلدة. بعد مضيّ ما يقارب السنة أغلق الجيش البوّابة، ومنذ ذلك الحين يُجبَر سكّان حيّ المطار على السفر إلى قلنديا البلد عبر حاجز قلنديا، ممّا يضطرّهم إلى السفر مسافة خمسة كيلومترات في طريق يلتفّ حول جدار الفصل (شارع رام الله – القدس).

لقد أثّر بناء الجدار على عشرات الآلاف من سكّان الأحياء الواقعة خارج الجدار، مثل كفر عقب وسميراميس والأحياء الشرقيّة في قلنديا، ومنها حيّ المطار، الذي أُبقي غربيّ الجدار؛ وكذلك أحياء منطقة وادي العرايس، التي أُبقيت شرقيّ الجدار. هذه الأحياء تقع ضمن منطقة نفوذ بلدية القدس، وسكّانها يدفعون ضريبة الأرنونا والتأمين الوطني، ولهم الحقّ في تلقّي الخدمات من البلدية؛ ولكن بلدية القدس والسلطات الإسرائيلية الأخرى أعفت نفسها بشكل شبه تامّ من أداء واجباتها تجاههم. في التماس قدّمته منظمة "عير عميم" في تموز عام 2015 نيابة عن سكان الأحياء، مطالبة بإصلاح الطرقات التي يمرّون منها، وُصف الإهمال الشديد في هذه الأحياء، وحقيقة أن البلدية تكاد لا تمنحهم أيًّا من الخدمات: الطرقات في الأحياء مشوّشة،  البنية التحتيّة للصرف الصحّي والكهرباء منقوصة، وهناك نقص في المدارسوالأرصفة والملاعب. وبالإضافة إلى ذلك، لا تقدّم لهذه الأحياء الخدمات الحيويّة، مثل عيادات رعاية الأمّ والطفل، وتوزيع البريد إلى المنازل والإطفائيّة. البلدية أيضا لا توفّر خدمات التنظيف، حيث تقوم السلطة الفلسطينية بتقديمها دون مفرّ من ذلك.

إفادات

خرائب منزل عائلة شريف عوض الله. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16
خرائب منزل عائلة شريف عوض الله. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16

شريف محمود أحمد عوض الله، 74 عامًا، من سكّان حيّ المطار في قلنديا، أفاد في شهادته التي أدلى بها في 27.07.2016 أمام إياد حدّاد، الباحث الميداني في منظمة بتسيليم:

في عام 2006، أنشأت السّلطات الإسرائيليّة جدارًا شرقيّ حيّنا، وعزلتنا عن القدس. وهذا شوّش حياتنا إلى أبعد الحدود. الكثير من العائلات تركت الحيّ، بينما هاجر شّبّان إلى خارج البلاد، وأيضًا من عائلتي. في عام 2012، أنشأوا جدار فصل آخر، غربيّ حيّنا، ومنذ ذلك الحين، نعيش فيما يشبه القفص. قدّمنا شكاوى في الموضوع، بواسطة محامين ومنظّمات حقوق إنسان، وطالبنا أن يوفّروا حلًّا لهذه المسألة.

في بداية الأمر، نصب الجيش بوّابة صغيرة للخروج، نحو القدس، وكانوا يفتحونها 3 مرّات يوميًّا - صباحًا، ظهرًا، ومساءً. كان الأمر أشبه بالخروج إلى باحة السّجناء. استمرّت هذه التّدابير طيلة سنة، وبعد ذلك أغلفوا البوّابة ومنحونا رخصة دخول وخروج من حاجز قلنديا. منذ ذلك الحين نضطرّ إلى السفر الالتفافيّ لمسافة 5 كم على الأقلّ، ولمدّة تتراوح بين 15 دقيقة وساعتين، حسب الازدحام على الحاجز أو في شارع قلنديا. نحن معزولون، حتّى عن عائلاتنا، والأمر يسبّب مشاكل اجتماعيّة ونفسيّة صعبة. بسبب هذا الوضع، قرّرت أنه علينا مغادرة الحيّ. أملكُ قطعة أرض في وادي العرايس، ورثتها من والدي، وقرّرت أن أبني بيتًا هناك. هذه الأرض تبعد 200 مترًا عن الجدار، في منطقة تابعة إداريًّا للقدس، إلى جانب الشّارع الرّئيسيّ في قلنديا. يوجد هناك حيّ صغير مكوّن من عدّة مبانٍ مرخّصة بُنيت قبل عام 1967، وفي هذه المنطقة تتوفّر خدمات الكهرباء والماء والصّرف الصّحيّ.

تقدّمت إلى الحكم المحليّ الفلسطينيّ بطلب لترخيص البناء؛ إلّا أنّه اتّضح عدم امتلاكهم أيّة صلاحيّة قانونيّة لاستصدار تراخيص بناء، لأنّ الصّلاحيّة في يد بلديّة القدس. لم أقدّم في بلدية القدس طلبًا لترخيص البناء، فمعلوم مسبقًا أنها لا تمنح التّراخيص هنا.

باشرت بناء البيت عام 2013. استغرقنا إتمام بناء الهيكل ثلاث سنوات، ولم أتلقّ طيلة هذه الفترة أيّ إنذار من أيّة جهة كانت، ولا أمرًا بإيقاف العمل. في 30.06.2016، أتى ممثّلو بلديّة القدس، مصحوبين بقوّات أمن، ليقوموا بتعليق أمر لإيقاف أعمال البناء. في اليوم نفسه، أوصلوا إنذارات أيضًا لجيراننا، تقريبًا 10 بيوت، قسم منها كان مسكونًا.

في أمر وقف البناء كُتب أنّه يتوجّب علينا التّوجّه إلى المكاتب المختصّة لاستصدار تراخيص. حضّرت الخطط المطلوبة والخرائط، وقدّمت طلبًا بواسطة مهندس المساحة، محمود عويضه. جرى تأجيل مناقشة طلبنا إلى تاريخ 27.07.2016، وذلك بسبب خلل في الكمبيوتر؛ إلّا أنّه وقبل يومين من الموعد المقرّر، في ساعة متأخرة من يوم 25.07.2016، قدم رجالات بلديّة القدس، مصحوبين بقوّات إسرائيليّة، وهدموا البيت دون إعطاء أيّة مهلة اضافية.

هدمت الجرّافات حلمي وحلم عائلتي بأن نعيش مع أبنائنا وأحفادنا، وهدروا 200 ألف ش.ج. كنّا قد استثمرنها في بناء البيت.

خرائب منزل عائلة صلاح عجالين. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16
خرائب منزل عائلة صلاح عجالين. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 27.7.16

صلاح موسى سليمان عجالين، 54 عامًا، من سكّان عناتا، أفاد للباحث الميداني في منظمة بتسليم، إياد حدّاد، في تاريخ 27.07.2016:

رزقت أنا وزوجتي بأربعة أبناء، ونعيش في عناتا في شقّة تعود ملكيّتها لأخي. اقتُلعت عائلتنا من خربة العمّارين في النّقب، عام 1948، فانتقل جزء منها إلى الخليل، وآخرون توزّعوا في منطقة القدس وعناتا ومناطق مختلفة أخرى. علمت أنا وزوجتي، طيلة حياتنا، في سلك التّربية والتّعليم. خرجتُ إلى التّقاعد المبكّر وتلقّيت تعويضات قيمتها 400 ألف ش.ج.، فقرّرت استثمارها في تشييد بيت لأنّنا عانيينا من الاكتظاظ، وأيضًا لأجل الأولاد في المستقبل، بعد زواجهم. أردنا الخروج من عناتا لأنّ السّكن هناك مكتظّ جدًا ولأنّه لا مجال للحفاظ على أيّة خصوصيّة.

 ورثت زوجتي قطعة أرض تقع ضمن مسطّح نفوذ قلنديا، وحينها قرّرنا أن نشتري قسيمة أخرى متصلة بها فنضمّها إليها. القسيمتان تقعان ضمن حدود الجدار الفاصل الذي بُنِي حول البلدة، إلّا أنّهما قريبتان من مساكن مأهولة.

باشرنا البناء في آذار/مارس 2016. كنّا نتوجّه إلى موقع البناء يوميًّا، نراقب عمل المقاولين والعمّال. فكّرنا وتكلّمنا كثيرًا عن البناية والتّقسيم الدّاخليّ - هنا ستكون غرفة النّوم خاصّتنا، وهنا غرفة البنت، هناك غرفة الابن وإلخ. خطّطنا كيف حينما يكبرون ويتزوّجون سنبني لكلّ منهم طابقًا خاصًّا به، وهذا البيت سيظلّ لنا. هكذا حلمنا أن نعيش.
لم نتقدّم بطلب ترخيص بناء، لأنّنا اعتقدنا أنّ الأمر سيكون مضيَعة للوقت والجهد والمال. علمنا أن ّ التّجربة محكومة بالفشل منذ البداية. كلّ البلدة تعاني من عدم منح تراخيص بناء في المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيليّة، لا في القسم الواقع تحت مسؤولية بلديّة القدس، ولا في منطقة C الواقعة تحت مسؤوليّة الإدارة المدنيّة في بيت-إيل. حتّى شهر تمّوز شيّدنا بناية من طابقين. أتممنا الطّابق الأوّل، وكانت خطّتنا أن ننتقل إليها في 30.07.2016، وأن نستكمل تشييد الطّابق الثّاني، رويدًا رويدًا.

لم يكن بالإمكان استيعاب فرحتنا. يوميًّا، وساعةً بساعة، انتظر الأولاد ساعة دخول بيتنا الجديد. طيلة الوقت، كان يأتي أحدهم، يقفز ويسأل: أبي! متى سننتقل إلى البيت الجديد خاصّتنا؟ متى سنسكن هناك؟
إلّا أنّه وفي تاريخ 28.06.2016، عثرنا على أمر إيقاف عمل معلّق على البيت الجديد، والذي كما يبدو تمّ لصقه في ساعات الليل. كانت الحجّة أنّ الأرض التي تمّ تشييد البناية عليها مصادرة، وتابعة للدولة. توجّهت للجنة حاكم لواء القدس في السّلطة الفلسطينيّة، مصطحبًا معي موكّل دفاعي، المحامي حسام يوسف، الذي باشر معالجة الأمر لدى السّلطات الإسرائيليّة المختصّة. بعد عدّة أيّام، أعلمونا أنّه لا يوجد أمر مصادرة، وصادقوا على أنّ الأرض مسجّلة في دائرة الطّابو على اسمنا، وكذلك لدى مسجّل الأراضي في القدس.

في تاريخ 21.07.2016، تلقينا إنذارًا آخر، هذه المرّة كان أمر إيقاف عمل بحجّة البناء دون ترخيص. طالبونا بمباشرة عمليّة التّرخيص. في عنوان ورقة الأمر، ظهرت وزارتا الماليّة والدّاخلية.

توجّهنا مجدّدًا إلى لجنة حاكم القدس في السّلطة، وهناك، كما في المرّة الأولى، قالوا لنا أنّه لا يمكنهم تقديم المساعدة، وأنّ على موكّل دفاعنا معالجة الأمر. باشرنا تحضير الوثائق المطلوبة من أجل تقديم طلب لرخصة بناء لجهات مختصّة إسرائيليّة مسؤولة عن تراخيص البناء. إلّا أنّه وقبل أن نستوفي تقديم الطّلب، تلقّينا أمر هدم إداريّ، والذي من الصّعب جدًا الالتماس ضدّه. علّقوه على البيت في ساعة متأخرة من الليل، يوم الأحد، الموافق 24.07.2016.

المهلة الذي مُنحت لنا كانت بين 24 ساعة و72 ساعة. في اليوم التّالي، توجّهت إلى موكّل الدّفاع الذي وجّهني إلى محام آخر في القدس، والذي توجّه إليه أناس آخرون تلقّوا أوامر هدم بالتّزامن معنا. باشر المحامي إعداد وثيقة استئناف، إلّا أنّه في اليوم التّالي، وقبل أن يستوفي المحامي تقديم الطّلب، قدمت إلى البلدة قوّة إسرائيليّة كبيرة مع جرّافات، وباشروا هدم المباني في الحيّ.

انسحبت القوّات في ساعات الصّباح الباكر. نظرت إلى البيت، ورأيت أنّه تحوّل إلى كومة من التراب وكتل الباطون. مشهد يقشعرّ له البدن. كنت مصدومًا، في اللحظة الأخيرة، اختُطفت الفرحة وسُدّت نافذةالأمل. لم يبق أيّ شيء من مجهودنا ومن مدّخراتنا التي ادّخرناها طيلة حياتنا.

كنّا قريبين جدًا من الانتقال إلى البيت الجديد، وفجأة، خلال ساعة واحدة، تحوّل إلى كومة من الركام، تذكّرنا دائمًا بألمنا، كنصب تذكاري.

هشام محمود عبد الغني حسين، 42 عامًا، من سكّان قلنديا، أفاد للباحث الميداني في منظمة بتسيلم إياد حدّاد، في تاريخ 27.07.2016:

قبل قرابة الشّهر، سكنت مع عائلتي في قلنديا، في بيت مستأجر. قرّرنا أناوز وجتي أن نبني بيتًا، نستطيع أن نتركه لأبنائنا، وذلك على أرض ورثتها من عائلتي، بالقرب من أفراد آخرين من الأسرة، أعمام، عمّات، وأبناء العمومة، والتي شُيّدت غالبيّتها بتراخيص، قبل الاحتلال الإسرائيليّ. لم أحاول أن أتلقّى ترخيصًا، لأنّ بلديّة القدس والإدارة المدنيّة في "بيت إيل" لا تمنح تراخيص بناء في المنطقة.

انتقلنا للعيش في البيت الجديد في 24.06.2016، وفي الليلة التي سبقت هذا اليوم ، ألصقوا على مداخل 11 بيتًا، بما فيها بيتي، أوامر إيقاف عمل بحجّة البناء دون تراخيص. لم يسلّمونا الأمر باليد، بل ألصقوه على جدار خلفيّ للبيت، ولم نعلم عن وجوده. في ليلة 24.07.2016، ألصقوا مجدّدًا أوامر هدم على بيوتنا. واتّضح لنا أنّ هذه أوامر هدم يصعب جدًا الاستئناف ضدّها، وخلال 24 ساعة، قدمت قوّات إسرائيليّة وهدمت بيتنا.

لم نستطع أن نخرج شيئًا من البيت. بدأنا بإخراج بعض الأثاث، إلّا أنّ القوّات الإسرائيليّة باشرت، خلال 10 دقائق، إلقاء قنابل صوتيّة وغازيّة داخل بيت الدّرج. سحبنا الثلاّجة، أنا وأخي إبراهيم، ولم ننجح بإنزالها. حينما شممنا الغاز تركناها على الدّرج وهربنا فورًا، وحينها أبعدتنا القوّات عن السّاحة. ذهبت مع العائلة كاملة إلى بيت عمّتي، التي تسكن في منطقة قريبة. باشرت الجّرافات بهدم المبنى. شعرت بالاختناق، صعوبة في التّنفّس، وخيبة أمل عميقة. اعتصر قلبي ألمًا. سالت دموعي. نظرت إلى أبنائي واعتصر قلبي. عملت طيلة حياتي من أجل ادّخار المال لبناء بيت الأحلام، لي ولهم.

هدموا حلمنا أمام أعين أبنائي. هم كانوا هناك ورأوا كيف يُهدم بيتهم حلمهم على يد القوّات الإسرائيليّة. كانت هذه لحظات قاسية. لا كلمات تصف ما مررنا به. خسرت أكثر من 550 ألف ش.ج. استثمرتها في الهيكل وفي التشطيبات. كلّ شيء ضاع، تحوّل إلى خراب. حتّى الأثاث خرّبوه مع هدم البيت - الصّالون، الكنبات، الفرشات، التلفزيون، الغاز، الثّلّاجة، المطبخ، الخزائن وحوض الاستحمام، كلّ شيء.

رأفت عوض الله، 63 عامًا، من سكّان قلنديا، صاحب بناية، أفاد للباحث الميداني في منظمة بتسيليم، إياد حدّاد، في تاريخ 24.09.2016:

في يوم الإثنين، الموافق 19.09.2016، في تمام السّاعة 10:00 صباحًا، وصل إلى موقع البناء خاصّتي ممثّل عن وزارة الدّاخليّة الإسرائيليّة عرّف نفسه باسم شمعون، وكان مصحوبًا برجال شرطة حرس الحدود. داهموا موقع البناء، صوّروا الأرض والمبنى، وأخذوا قياسات. سألت شمعون ما الذي يقومون به، فقال إنّ بناء البناية تضمّن مخالفة للقانون ويجب هدمها. سألني عن ملكيّة الأرض، فأريته الكوشان. صوّره بواسطة هاتفه، كما وصوّر بطاقة هويّتي. قال لي: "خلص، أوقف العمل وسرّح العمّال. هذا سيوفّر عليك مصاريف، لأنّ البناية ستُهدم". وأضاف أنّه من المفضّل أن أهدم بنفسي، وإلّا فسوف أدفع مبلغ 400 ألف ش.ج. سألته ما سبب الهدم، إلّا أنّه لم يشرح، واكتفى بقوله أنّني سأتلّقى بلاغًا بهذا الشّأن، عبر البريد. وحينها غادروا المكان.

توجّهت للقسم القضائيّ في لواء القدس التّابع للسلطة الفلسطينيّة، وطلبت مساعدتهم. لا يزال الأمر قيد فحصهم.

هدم البناية سيدمّر مستقبلي ومستقبل عائلتي، وسيدمّر 9 أسر أخرى اشترت منّي الشّقق ولا تزال تنتظر إتمام البناء. في نهاية المطاف، سأتحمّل المسؤوليّة الكاملة عن كافّة الخسائر. من أين سأعيد الأموال للعائلات التي لن تتسلّم شققها؟ هذه العائلات أنفقت كلّ مدّخراتها، باعت مجوهراتها، وكلّ هذا من أجل الشّقق. كلّ إنسان يملك طموحًا وأحلامًا لمستقبله ولمستقبل أبنائه. تخيّل ماذا سيحدث لهؤلاء الأشخاص حينما تهدم الجرّافات كلّ أحلامهم.

منذ أن حصل ذلك، لا أذوق طعم الراحة في النّهار ولا النوم في الليل. أخشى أن يصلوا في أيّة لحظة لتنفيذ الهدم. استثمرت في هذا المشروع كلّ حياتي وكلّ ما ادّخرت طيلة سنوات عملي.