أطلق جنود النار على فتى (13 عامًا) وتسبّبوا له بجراح وفي المستشفى منع الجيش والديه من المكوث إلى جانب سريره

أطلق جنود النار على فتى (13 عامًا) وتسبّبوا له بجراح وفي المستشفى منع الجيش والديه من المكوث إلى جانب سريره

تم النشر في: 
18.9.17

في 23.7.17 أطلق جنود النار على الفتى ن.ر. (13 عامًا)، بعد عبوره من ثغرة في الجدار الفاصل قرب قرية جيّوس، ثمّ أخلوه إلى مستشفى "مئير" في كفار سابا، حيث رقد هناك شهرًا وأجريت له ثلاث عمليّات جراحيّة. في الأيام الثمانية الأولى أوقف الجيش جنديّين في الغرفة منعا والديه من المكوث إلى جانبه سوى لثوانٍ معدودات وقيّدوه إلى السرير لزمن قصير. إضافة، جرى استجواب الفتى وتمديد اعتقاله دون حضور والديه. لا جديد في ممارسات جهاز الأمن الخطيرة هذه، بدءًا بإطلاق النار بلا داعٍ وانتهاءً بمنع والديه من المكوث قربه في المستشفى؛ فهي ممارسات بعضها يندرج ضمن سياسة صريحة وبعضها تعتبره الأجهزة سلوكًا مقبولاً ومعقولاً.

(ن.ر.) في سريره في المستشفى مع احد الجنود الذين نصبوا في الغرفة. تم التصوير من قبل والدة (ن.ر.) التي جلست خارج الغرفة ولم يسمح لها بدخولها.
(ن.ر.) في سريره في المستشفى مع احد الجنود الذين نصبوا في الغرفة. تم التصوير من قبل والدة (ن.ر.) التي جلست خارج الغرفة ولم يسمح لها بدخولها..

ב-في 23.7.2017, نحو الساعة 17:00، مرّ فتيّان اثنان في الثالثة عشرة من عمرها، من سكّان جيّوس، عبر ثغرة في الجدار الفاصل غربيّ بلدتهم. في الجانب الآخر من الجدار كان جنود يختبئون في كمين، فما كان منهم إلاّ أن أطلقوا النيران على أحد الفتيّين (ن.ر.) وتسبّبوا له بجراح في كلتي رجليه. صديقه هرب من المكان. تناقلت وسائل الإعلام في تقاريرها عن الحادثة تصريحًا لمسؤول عسكريّ قال إنّ "الفتى مزّق الجدار وقام بإشعال إطار".

والد الفتى (س.ر.) البالغ من العمر 43 عامًا ويعمل مشرفًا في منشآت البناء، عاد من عمله نحو الساعة 17:30 ورأى ما يقارب سبعة جنود عند منطقة الجدار. في إفادة أدلى بها في 25.7.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عبد الكريم السعدي، قال الوالد:

اقتربت من السكّان الذين تجمّعوا قرب الجدار. وفيما أنا أمشي قال لي أحدهم إنّ ابني جريح. رأيته مستلقيًا على الأرض والجنود من حوله. كانت هنالك عدّة سيّارات جيب عسكريّة وسيّارة إسعاف عسكرية. حاولت الاقتراب من ابني، ولكن الجنود منعوني من التقدّم. تمكّنت من الوصول فقط حتّى مسافة خمسة أمتار منه، وعندها حذّرني جنديّ أنّني إذا اقتربت منه أكثر فسوف يطلق عليّ النار؛ ثمّ أشار بشكل واضح إلى بقيّة الجنود أن يطلقوا النار على رأسي إذا اقتربت من ابني. شعرت بأنّ هذا تهديد جدّي. خفت وتوقّفت.

كنت قلقًا جدًّا على ابني. سألت الجندي، بالعبريّة، ما هو وضعه، فأجابني أنّ الوضع جيّد وأنّ أطبّاء عسكريّين يعالجونه، ولا خطر عليه. طلبت منه أن يسمح لي بأخذ ابني لمعالجته، لكنّه قال لي: "نحن أطلقنا النار وأصبناه، ولذلك فنحن نعالجه".

بعد نحو الساعة نقل الجنود (ن.ر.) إلى سيّارة إسعاف عسكريّة وأخلته هذه من المكان.

(س.ر.) وزوجته (ع.) البالغة من العمر 44 عامًا، وكانت قد جاءت هي أيضًا إلى المكان، عادا إلى منزلهما. بعد ذلك بوقت قصير أعلم رئيس مجلس جيّوس والد الفتى أنّ ابنه يعالَج في مستشفى "مئير" في كفار سابا، وأنّه بإمكان زوجته الحصول على تصريح دخول لإسرائيل، أمّا هو فـ"ممنوع لأسباب أمنيّة". وفي المساء نفسه اتّجهت (ع.ر.) إلى مستشفى "مئير".

في إفادة أدلت بها يوم 17.8.17 حدّثت بما يلي:

وصلت إلى المستشفى نحو الساعة 21:30. في البداية لم أجد ابني. توجّهت إلى أحد العاملين وسألته أين ابني، فقال لي إنّه يخضع حاليًّا لعمليّة جراحية. عندما سمعت ذلك توتّرت وبكيت. أخذت أدعو الله أن يشفي ابني.

جلست في البهو حتى الساعة الرابعة فجرًا، وفقط عندها رأيت الأطبّاء والممرّضات وجنديّين اثنين يدفعون سريرًا كان يستلقي فيه ابني غائبًا عن الوعي. قمت فورًا ومشيت وراءهم لكي أرى كيف حاله. تمكّنت من الدخول إلى قسم العناية المكثّفة حيث أدخلوه. أحد الأطبّاء طمأنني. وقفت بجانب ابني لبضعة دقائق، وكان ما زال غائبًا عن الوعي. بعد ذلك طلب منّي الأطبّاء الخروج من قسم العناية المكثّفة، وقالوا لي إنّهم سوف يسمحون لي بالدخول والاطمئنان على صحّته بعد أن يصحو.

خرجت من الغرفة والدموع في عينيّ بسبب منظر ابني وهو ملقىً في سرير المستشفى. جلست قبالة قسم العناية المكثّفة مدّة ساعة تقريبًا، ثمّ دخلت مجدّدًا إلى القسم، بعد أن صحا ابني من "بنج" العملية. اطمأنّيت حين رأيت أنه بخير. كان في الغرفة جنديّان يحرسانه. تحدّث الأطبّاء إلى الجنديّين محتجّين على وجودهما داخل قسم غرفة العناية المكثّفة، ولكنهما بقيا هناك. تقدّم الجنديّان منّي وطالبوني بالخروج من الغرفة. لم يسمحا لي بالبقاء إلى جانب ولدي. جاء جنود آخرون وأفراد شرطة وأخرجوني من الغرفة بالقوّة. قبل أن يُخرجوني رأيتهم يكبّلون ابني بأصفاد معدنيّة؛ وقد وضعوا يديه المكبّلتين فوق بطنه.

عندما كنت في الخارج تقدّم نحوي أحد الشرطيّين وقال لي إنّ تصريح دخولي انتهت صلاحيته، وعليّ أن أغادر المستشفى. ناشطة سلام إسرائيلية، وكانت في المستشفى منذ الصباح، أقلّتني من المستشفى إلى مدخل قلقيلية، ومن هناك عدت إلى قريتي، جيّوس.

اقامت الجدار الفاصل بالقرب من قرية جيوس، كانون ثاني 2006. من خلال اقامت الجدار قطعت إسرائيل القرية عن معظم أراضيها الزراعية. تصوير: اورن ياعكوبوفيتش، بتسيلم.
اقامت الجدار الفاصل بالقرب من قرية جيوس، كانون ثاني 2006. من خلال اقامت الجدار قطعت إسرائيل القرية عن معظم أراضيها الزراعية. تصوير: اورن ياعكوبوفيتش، بتسيلم..

في إفادته من 22.8.17 حدّث (ن.ر.) بما يلي:

في المستشفى، بينما كنت طريح الفراش، كبّل الجنود يديّ ورجليّ بأصفاد معدنيّة، رغم انّني عانيت من انتفاخ واحمرار في رجليّ. ربطوني إلى السرير بواسطة الأصفاد. هكذا استلقيت لمدّة ساعة، إلى أن تمكّنت من ضغط الجرس لأنادي الممرّضات والأطبّاء. لقد وصلوا فورًا. أنا لا أفهم العبريّة، ولكن من طريقة نقاشهم مع الجنود فهمت أنهم يحتجّون على أنّ الجنود كبّلوا يديّ ورجليّ. أزال الجنود الأصفاد.

في 24.7.17 عُقدت جلسة للتداول غيابيًّا في تمديد اعتقال (ن.ر) في المحكمة العسكرية للشبيبة في سالم، دون أن يكون هو أو والديه حاضرين. أثناء المداولات أبلغت النيابة أنّ (ن.ر.) مشتبه في إشعال حريق والإخلال بالنظام، وطلبت بتمديد اعتقاله مدّة أربعة أيّام لأجل التحقيق. أقرّ القاضي طلب النيابة وجرى تمديد اعتقال (ن.ر.) إلى 27.7.2017.

في صباح اليوم التالي حصلت والدة (ن.ر.) على تصريح دخول جديد ساري المفعول لمدّة يومين، واتّجهت ثانيةً إلى المستشفى. عندما وصلت، وجدت ابنها في غرفة أخرى، وما زال تحت الحراسة. الجنديّان الذان وقفا هناك لحراسة (ن.ر.) رفضا السماح لوالدته بالدخول في الغرفة.

حدّثت الأمّ في إفادتها بما يلي:

بكيت طوال الوقت وكنت حزينة لأنّي على مسافة بضعة أمتار من ابني، ولكنّي غير قادرة على لمسه أو تقبيله، لأنّ الجنود يمنعونني. حاولت تشجيع ابني، كلّ الوقت كنت أقول له "أنا هنا إلى جانبك، ها أنا أقف عند مدخل الغرفة، لا تخف فأنا لن أذهب إلى أيّ مكان وسأبقى معك". جلست قبالة الباب طيلة يومين تامّين، من ساعات الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، دون أن يسمحوا لي بالاقتراب منه. حاولت مرارًا الدخول إلى الغرفة، وفي كلّ مرّة اعترضني الجنود وهدّدوني بإغلاق الباب بحيث لا يمكنني رؤيته حتّى.

في 26.7.2017 قدّم (س.ر.) طلبًا ثانيًا لتصريح دخول إلى إسرائيل، وطلبًا لتمديد تصريح زوجته، التي كانت لا تزال تمكث في المستشفى. في هذه المرّة تمّت الموافقة على الطلبين، وحصل الزوجان على تصريح دخول ساري المفعول حتى 1.8.2017. في اليوم نفسه انضمّ (س.ر.) إلى زوجته في المستشفى، ولكنّ الجنود منعوه أيضًا من الدخول إلى الغرفة وزيارة ابنه. حاول بعض الأطبّاء إقناع الجنديّين بالسماح للوالدين بالدخول إلى غرفة ابنهم، وبعد أخذ وردّ قصيرين سُمح لهم بزيارة سريعة جدًا استمرّت أقلّ من دقيقة. في إفادته حدّث (س.ر.) بما يلي:

عندما دخلت قبّلت ابني فورًا. كان مستلقيًا في السرير. لم أتمكّن من التحدّث معه حقًّا، لأنّنا جميعًا كنّا منفعلين جدًا، ولكن على الأقلّ تأكّدت من أنّه على قيد الحياة. أيضًا، كانت هذه المرّة الأولى التي سمحوا فيها لزوحتي بأن تقترب منه وتحضنه. بعد نصف دقيقة أخرجنا الجنود من الغرفة. بقينا أنا وزوجتي قرب الغرفة، نقف ونجلس، طيلة أيّام عديدة، حتى 31.7.2017. كلّ هذا الوقت، لم يسمح لنا الجنود بالدخول إلى الغرفة حتّى مرّة واحدة.

في 27.7.2017 جاء إلى (ن.ر.) محامٍ، قال له إنّه مبعوث من قبَل منظمة لحقوق الإنسان لكي يمثّله، وأخبره عمّا حصل في الجلسة التي انعقدت لمداولة قضيّته، وقال له إنّ محقّقًا من الشرطة سوف يأتي إليه خلال النهار. وصل المحقّق، استمع إلى إفادة (ن.ر.) حول الحادثة، واتّهمه بأنّه يكذب، ثمّ وعده بتقديم المال له وجهاز هاتف ذكيّ، إذا وافق على تسليم أسماء الأولاد الذين يرشقون الحجارة والزجاجات الحارقة على الجنود في منطقتي جيّوس والجدار الفاصل. رفض (ن.ر.) ذلك، وبعد ان ختمه المحقق على افادته، التي كتبت باللغة العبرية – لغة لا يفهمها (ن.ر.) – ترك الغرفة.

لاحقًا، في اليوم نفسه، جرت مداولة إضافيّة في قضيّة (ن.ر.)، وفي هذه المرّة أيضًا كانت غيابيّة، دون حضور الوالدين. أصدر القاضي قرارًا بإطلاق سراح (ن.ر) مقابل كفالة مالية بقيمة 4000 شيكل والتوقيع على كفالة غير مدفوعة بقيمة 5000 شيكل. بمقتضى ذلك، دفع (س.ر.) في 31.7.2017 مبلغ الكفالة ووقّع على الكفالة غير المدفوعة. بعد ذلك غادر الجنود غرفة (ن.ر.) وسُمح لوالديه بالمكوث معه؛ واستمرّوا يزورونه ويمكثون عنده طيلة الأسابيع الثلاثة الإضافية التي قضاها (ن.ر.) في مستشفى "مئير".

في 20.8.2017، بعد أن أجريت لـ(ن.ر.) عمليّتان جراحيّتان إضافيّتان في قدميه، أبلغت إدارة المستشفى والده أنّ الجيش يرفض الدفع مقابل الاستمرار في معالجة ابنه، ولذلك قرّرت إدارة المستشفى إخراج ابنه. أضاف المدير قائلاً للوالد أنّه إذا كان معنيًّا بمواصلة علاج ابنه في المستشفى فعليه دفع سُلفة قيمتها عشرة آلاف شيكل، وأن يلتزم بتغطية جميع تكاليف العلاج المستقبليّ من حسابه الخاصّ. جاءت هذه المحادثة بضعة أيّام قبل عمليّة تجميل طبّي يُفترض أن يجريها (ن.ر.)، ولهذا فقد طلب والده من إدارة المستشفى أن تؤجّل إخراج ابنه يومًا واحدًا، حتّى يتمكّن من تدبير المبلغ المطلوب، ولكنّ الإدارة رفضت ذلك.

في اليوم نفسه، نحو الساعة 15:30، جرى إخراج (ن.ر.) من المستشفى، ونُقل في سيّارة إسعاف فلسطينية إلى مستشفى في قلقيلية. في 31.8.2017 أخرج إلى بيته، وتقرّر أن تُجرى له عملية تجميل طبّي في مستشفى "مئير" في 23.9.2017، حين تبيّن أنّ السلطة الفلسطينية سوف تغطّي تكاليفها، بعدما رفض الجيش تمويلها بنفسه.

أظهر التحقيق الذي أجرته بتسيلم أنّ الجنود أطلقوا النار على (ن.ر.) - الذي لا يتجاوز عمره الثالثة عشرة - من كمين ومن مسافة قريبة، دون أيّ مبرّر؛ ولاحقًا، منع الجيش والديه طيلة ثمانية أيّام من البقاء إلى جانبه وهو يرقد في المستشفى محاطًا بجنود يحاولون تكبيله بالأصفاد في حين يقف والداه بالضّبط وراء عتبة باب الغرفة. أيضًا، لم يُسمح للوالدين بالدخول إلى الغرفة حين كان محقّق من طرف الشرطة يستجوبه، وهكذا جرى التحقيق معه دون حضورهم. سمح الجنود للوالدين بالاقتراب من ابنهم مرّتين فقط، ولمدّة دقائق معدودة في كلّ مرّة.

ممارسات الجيش في الحالة التي أمامنا خطيرة جدًا، ولكن أكثر ما يروّع فيها أنّها ليست ممارسات شاذّة: لقد وثّقت منظمة بتسيلم مرارًا وتكرارًا سياسة الكمائن المسلّحة التي يتّبعها الجيش، تحت ذريعة منع إلحاق الضرر بالجدار أو منع رشق الحجارة، والتي أدّت غير مرّة إلى قتل أو قتل فلسطينيّين بلا داعٍ ودون مبرّر، تمامًا مثلما في الحالة هذه؛ فالجيش كان يعلم عن وجود هذه الثغرة في الجدار، وكان بإمكانه سدّها أو شغل الموقع بجنود ظاهرين، وأن يمنع بالتالي عبور الفلسطينيّين من خلالها - والواقع أنّ هذا ما فعله الجيش في الأسبوع الذي تلى إطلاق النار على (ن.ر.).

الممارسات الخطيرة لجهاز الأمن لم تتوقّف عند إطلاق النار وإصابة (ن.ر.) بلا داعٍ، إذ نجد بعد ذلك: رفْض الجنود في الموقع الإدلاء بأيّة معلومات لوالديه عن حالته، وإخلائه إلى مستشفىً في إسرائيل دون إبلاغ والديه ودون إتاحة المجال لهم ليرافقوه؛ تكبيل الفتى الجريح إلى سريره وكأنه مجرم خطير؛ استجوابه وحيدًا وتمديد اعتقاله غيابيًّا ودون حضور الوالدين؛ مطالبة المستشفى أسرة الفتى الجريح بمجابهة جهاز بيروقراطيّ تعسّفيّ، ومنع والده من الوصول إلى المستشفى طيلة الأسبوع الأوّل؛ وفوق هذا كلّه نجدهم يمنعون الوالدين من المكوث عند سرير ولدهما طيلة أيّام علاجه الأولى فيما هم على بُعد أمتار منه. هذه الممارسات جميعها، لا جديد فيها أيضًا.

ممارسات جهاز الأمن، في هذه الحالة، بعضها يندرج ضمن سياسة صريحة وبعضها تعتبره الأجهزة سلوكًا مقبولاً ومعقولاً. من هنا، وكما في حالات سابقة كثيرة شهدناها، لن تتمّ مساءلة ومحاسبة أحد في هذه الحالة أيضًا، وهذه الحقيقة تؤكّد لنا أنّ حالات مشابهة ستحدث أيضًا في المستقبل دون عائق، ما لم ينته الاحتلال.