ستة أيام اعتقال باطل، بدعم كامل من الجيش والمحاكم: كالعادة، لن تتمّ مساءلة ومحاسبة أحد

ستة أيام اعتقال باطل، بدعم كامل من الجيش والمحاكم: كالعادة، لن تتمّ مساءلة ومحاسبة أحد

تم النشر في: 
14.3.17

يوم الجمعة، 10.2.17، حوالي الساعة 16:00 تقريبًا، خرج قرابة عشرين أو ثلاثين من سكّان قرية مادما الواقعة جنوب نابلس – شبّان وعائلات مع أطفالهم – للتنزه والاستجمام في منطقة تمتدّ بضع مئات من الأمتار جنوبيّ القرية. حوالي الساعة 16:30 - 16:15 جاء خمسة أو ستّة جنود من منطقة مستوطنة يتسهار، التي تبعد نحو كيلومتر ونصف عن المكان الذي استجمّ فيه الشبّان والعائلات، وقذفوا نحوهم قنابل الغاز المسيل للدموع. بعض المتنزهين هربوا من المكان.

استمرّ ثلاثة جنود في التقدّم شمالاً نحو الشبّان والعائلات، وابتعد البقية في اتّجاه الشمال - شرق. بعد دقائق قليلة حضر إلى المكان أحمد زيادة (25 عامًا)، وهو مصوّر متطوّع في منظمة بتسيلم من سكّان مادما، حيث رأى قنابل الغاز المسيل للدموع وبدأ بتصوير الجنود. اقترب منه الجنود الثلاثة، وانضمّ إليه شابّان كانا هناك، هما محمد فرج (19 عامًا)، وصهيب قط (18 عامًا).

تقدّم زيادة نحو الجنود الثلاثة بينما هو يصوّرهم. في شريط الفيديو الذي صوّره يظهر ضابط يجهّز سلاحه ويأمر زيادة - باللغة العربية – بأن يعود إلى منزله وأن يعطيه بطاقة هويته. أعطى زيادة بطاقته للضابط وأوضح له أنّه متطوع في بتسيلم. فحص الضابط البطاقة وأعادها إليه. بعد ذلك، تطوّر نقاش بين زيادة والضابط، الذي واصل مطالبة زيادة بالعودة إلى منزله، وأبلغ في جهاز الاتصال أنّه يعتزم تكبيله، وأمر أحد الجنود بتجهيز سلاحه، كما وحاول إزاحة كاميرا زيادة. بعد ذلك بدقائق وصل إلى المكان جنديان آخران. الجنود الثلاثة الذين كانوا هناك اقتربوا من زيادة وأمسكوا به ثمّ أوقعوه أرضًا وثبّتوه بقوّة في حين هم يكبّلون يديه ويعصبون عينيه.

في إفادة قدّمها لباحثة بتسيلم الميدانية، سلمى الدبعي، وصف زيادة ما حدث:

أحمد زيادةأمسك بي أحد الجنود من الخلف، وبعد ذلك سعى الجندي الذي حاول منعي من التصوير إلى انتزاع الكاميرا خاصّتي منّي. تمسّكت بالكاميرا بقوّة، أخرجت بطاقة الذاكرة ووضعتها في فمي. شدّ الجنود حقيبة الكاميرا وانقطع حزامها. كبّلوا يديّ خلف ظهري بأصفاد بلاستيكية وألقوا بي على بطني. ضغط أحد الجنود بركبته بشدّة على رأسي. وضع جندي آخر ركبته على ظهري، والثالث داس بكلتي قدميه على قدميّ. في كلّ مرّة حاولت رفع رأسي ضغط الجندي عليه بقوّة، بينما شدّ جنديّ آخر الأصفاد بقوّة أكبر حول يديّ. صرختُ من الألم.

جنود يثبّتون أحمد زيادة إلى الأرض، ويعرقلون أصدقائه. تصوير أحد سكّان مادما، 10.2.17
جنود يثبّتون أحمد زيادة إلى الأرض، ويحتجزون أصدقائه. تصوير أحد سكّان مادما، 10.2.17

في إفادة قدّمها لباحث بتسيلم الميداني إياد حداد وصف صهيب قطّ ما حدث:

صهيب قطّهجم الجنود على أحمد، مدّدوه ووجهه إلى الأرض، وثبّتوه. وضع أحد الجنود ركبته على رأس أحمد. كبّل جنود آخرون يديه إلى الخلف بأصفاد بلاستيكية. لم يتصرّف أحمد بعنف. حاولت التدخل وقلت لهم: "لماذا تضربونه هكذا؟ هو لم يفعل شيئًا!". قال لي أحدهم: "اخرس ولا تتكلّم، تكلّم فقط إذا تكلّمنا معك". بعد ذلك قلت لهم: "لماذا تفعلون ذلك، لديه بطاقة في محفظته تثبت أنّه مصوّر في بتسيلم، انظروا إلى البطاقة وتحقّقوا من الأمر".

كبّل الجنود أيدي قط وفرج، وعندها حضر إلى المكان عدد من الجنود الآخرين. بعد نحو عشر دقائق، عند الساعة 17:00 تقريبًا، وصل إلى المكان سكّان آخرون من مادما كانوا قد سمعوا بالاعتقال. قذف الجنود قنابل صوت اتّجاه السكان فتراجع هؤلاء لمسافة عشرة إلى عشرين مترًا بعيدًا عن الجنود.

اعتدى الجنود على شقيق أحمد (محمود زيادة، 25 عامًا) الذي سمع بخبر احتجاز شقيقه وكان بين السكان الذين وصلوا إلى المكان. في إفادة قدّمها لباحثة بتسيلم الميدانية، سلمى الدبعي، روى ما حصل:

رفع خمسة أو ستة من الجنود أسلحتهم في وجهي وحاولوا منعي حين اقتربت من أحمد لأعرف ما إذا كان بخير. الجندي الذي جلس فوقه أمسكه من رأسه ودفعه اتجاه الأرض. صرخ أخي، وقلتُ أنا للجندي: "حسنا، سأبتعد". تراجعت بضعة أمتار إلى الخلف. حاولت مرّة أخرى الوصول إلى أحمد فجهّز أحد الجنود سلاحه ووجّهه نحو بطني، ثمّ وجهه نحو ركبتي اليسرى وأطلق النار. وقعت على الأرض فورًا. أخذني أخي نشأت إلى سيارة أحد السكّان الذي كان في المكان وأوصلني إلى قرية بورين، ومن هناك نقلتني سيارة إسعاف الهلال الأحمر إلى مستشفى في نابلس. خضعت هناك لفحوصات وأجروا لي تصويرًا أظهر وجود رصاصة مطاطية في الركبة. تمّ إخراجها بعمليّة جراحية. أبلغني الطبيب بأنّ عليّ أن أرتاح لمدّة أسبوعين قبل أن أتمكّن من الوقوف على رجلي.

محمود زيادة في منزله بعد العملية الجراحية. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 12.2.17
محمود زيادة في منزله بعد العملية الجراحية. تصوير: سلمى الدبعي، بتسيلم، 12.2.17

وفقا لإفادة قط، وصل إلى المكان ضابطان، أحدهما من مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة، ودار حديث ومداولات مطوّلة بشأن إطلاق سراح الشبّان الذين جرى احتجازهم. نحو الساعة 18:30 فكّ الجنود أصفاد قط. بعد مضيّ نصف ساعة اقتيد زيادة سيرًا على الأقدام باتجاه الشارع الأمني لمستوطنة يتسهار. في الإفادة التي قدّمها أحمد زيادة قال إنّ الجنود فتّشوه هناك، بحضور حارس أمن المستوطنة، وعصبوا عينيه مجددًا. بعد ذلك أصعدوه إلى سيارة جيب وأخذوه إلى معسكر جيش قريب من قرية تل، ومن هناك إلى محطة الشرطة في أرئيل. في محطة الشرطة تم التحقيق مع زيادة وبعد ذلك جرى نقله إلى معسكر حوّارة حيث احتُجز حتى صباح يوم الثلاثاء 14.2.17. عندها فقط، أي بعد مضيّ خمسة أيام على الحادثة، أخذوه إلى جلسة في محكمة سالم، حيث جرى تمديد اعتقاله لغرض مواصلة التحقيق بشبهة الاعتداء على الجنود وإعاقة جنديّ عن القيام بوظيفته. في الليل أعيد زيادة إلى معسكر حوّارة، بعد أن كان قد احتُجز في غرفة انتظار في معسكر سالم حيث تلقّى فقط علبة لبن طعامًا له. من معسكر حوّارة اقتيد في اليوم التالي إلى المحكمة في عوفر للنظر في استئنافه على تمديد الاعتقال، حيث تقرّر الإفراج عنه بكفالة قدرها 500 شيكل. في الساعة 23:30 تقريبًا، تمّ الإفراج عنه من معسكر حوّارة.

تُرينا هذه الحالة كيف يستغلّ الجنود قوّتهم بسهولة لا تُحتَمل وبشكل تعسّفي تمامًا دون أيّ عائق وعلى نحوٍ مخالف للقانون: بضع عشرات من السكّان خرجوا للاستمتاع بالطبيعة قرب منازلهم. الجنود الذين وصلوا إلى المكان ألقوا نحوهم قنابل الغاز لإبعادهم عن المكان، دون أيّ سبب. بعد ذلك اعتقل الجنود زيادة مستخدمين العنف، ضربوه واحتجزوا اثنين من أصدقائه، وكان ذلك أيضًا دون سبب. أطلق أحد الجنود رصاصة معدنيّة مغلّفة بالمطاط على قدم محمود زيادة، من مسافة بضعة أمتار، بشكل مخالف تمامًا لتعليمات إطلاق النار، ومرّة أخرى - دون أيّ سبب. وفوق هذا كلّه - بعد إبقاء أحمد زيادة رهن الاعتقال لمدّة ستة أيام، قرّر قاضي المحكمة العسكريّة في سالم تمديد اعتقاله دون أيّ دليل يثبت ارتكاب مخالفة، وأيضًا في هذه المرّة: دون سبب.

اعتقل الجنود أحمد زيادة ليشبعوا نزوتهم، وجرى اعتقاله لمدّة ستة أيام دون أيّ سبب، وطوال ذلك قدّم النظام - العسكري والقضائيّ – دعمه لهذا الاعتقال. لن تتمّ مساءلة ومحاسبة أحد حول اعتقال زيادة، ولا أحد سيعيد إليه الأيام الستّة التي فقدها. هكذا تبدو الحياة تحت وطأة الاحتلال.